ويؤتى بالقسم عادة لتأكيد قضايا خبريّة ، وقعت فيما مضى ، أو هي واقعة فيما لا يزال من أمور غيبيّة ، أو ستقع فيما سيأتي مستقبلا ، ويدخل في هذا الوعد بما سيكون ، أو سوف يكون .
وقد عهدنا في الأقسام القرآنيّة التناسب بين المقسم به والمقسم عليه في السّورة ، فعلى المتدبّر أن يتأنّى في التفكير والتأمّل حتّى يدرك التناسب بين المقسم به والمقسم عليه .
* قول اللّه عزّ وجلّ :
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ( 4 ) .
بالتدبّر المتأنّي ظهر لي أنّ هذا هو المقسم عليه بالأقسام الرّبّانيّة الّتي بدأ اللّه عزّ وجلّ بها السّورة .
أي : لعن أصحاب الأخدود لعنا أبديّا ينالون به عذاب الحريق المتجدّد في جهنّم ، مع أنواع العذاب الأخرى الّتي جعلها اللّه في جهنّم للكافرين المجرمين الّذين يفتنون الناس عن دينهم بالاضطهاد والتعذيب .
جاء في هذه العبارة استعارة لفظ [ قتل ] للدّلالة على اللّعن الأبديّ المقرون بأنواع من العذاب في جهنّم ، وأشدّه عذاب الحريق المتجدّد ، كلّما نضجت جلودهم بدّلهم اللّه جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .
وهذا أمر يستحقّ أن يقسم اللّه عزّ وجلّ على أنّه قضاء متحقّق لا محالة ، بيومي الدّنيا والآخرة ، وبالقرآن ، وبالرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي : بيوم الابتلاء ، وبيوم الجزاء ، وبالمعرّف بمادّة الابتلاء وهو القرآن ، وبالمبلّغ والمبيّن للناس ما نزّل إليهم وهو النبيّ الرسول .
جاء عند أهل التفسير تفسير فعل [ قتل ] في الآية بمعنى : « لعن » ، واللّعن في اللّغة هو الطّرد ، والإبعاد ، والسّبّ والشتيمة .