وحين يكون اللّعن موجّها من اللّه عزّ وجلّ ، فهو الطّرد والإبعاد عن رحمة اللّه .
أقول : لكنّ الطّرد والإبعاد لا يستلزمان أن يكونا أبديّين ، فقد يطرد المطرود ويبعد مؤقتا لجرم أصابه ، ثمّ يتوب ، فيعاد إلى منازل القرب ، وتشمله دائرة الرّحمة الرّبّانيّة الّتي وسعت كلّ شيء لديه قابليّة ما لأن تمطر عليه شآبيب الرّحمة ، أمّا من حجب نفسه بجحوده وجرائمه ، فهو الذي اختار لنفسه أن يحرمها من خيرات رحمة ربّه .
لكنّ من يقتل فقد حكم عليه بالطّرد والإبعاد الأبديّين ، فمن توجّه له عبارة : [ قتل ] في القرآن ، فقد نصّ البيان الرّبّانيّ على أنّه مطرود مبعد أبديّا ، عن مدى رحمة اللّه الّتي وسعت كلّ شيء .
وفي هذا دلالة على أنّ جريمته قد بلغت أقصى الجرائم ، وأنّه أمسى ميؤوسا من عودته إلى أيّ منزل من المنازل المشمولة برحمة اللّه جلّ جلاله ، ومستحقّا للخلود الأبديّ في عذاب اللّه ، وجهنّم هي مصيره الذي هو صائر إليه .
وبهذا ندرك أنّ استعارة فعل ( قتل ) للدّلالة على الطّرد الأبدي ، قد تضمّن باللّزوم العقلي الكناية عن القضاء بالتعذيب الأبديّ في جهنّم ، دار خلود الكفرة المسرفين في الجحود ، وفي ارتكاب كبريات الجرائم ، وهم الأشقون الذين يعذّبون فيها بعذاب الحريق .
ولهذا لم تأت عبارة [ قتل ] في القرآن الكريم إلّا في أربع سور مكيّة :
( 1 ) فقد جاءت في سورة ( المدثر / 74 مصحف / 2 نزول ) بشأن الوليد بن المغيرة ، الّذي فكّر في القرآن وقدّر ، وعلم في قرارة قلبه أنّه لا يقول مثله بشر ، لكنّه أدبر واستكبر وكفر ، وزعم أنّه سحر يؤثر ، وقال :
إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
( 25 ) ، فحقّ عليه أن يقول اللّه عزّ وجلّ بشأنه :