تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
* وتأتي بمعنى المكانة وعلوّ الشّأن ، وقد جاء للدّلالة على هذا المعنى قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الحج / 22 مصحف / 103 نزول ) :
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 74 )
أي : ما عظّموه حقّ تعظيمه ، أو ما وصفوه حقّ وصفه الجليل ، وعلى هذا المعنى يقال : فلان جليل القدر ، أي : عظيم المكانة والشأن . وأصل مادّة الكلمة يدور حول مقادير الأشياء ، وحدود كميّات وحداتها ، فتحديد وحدات كلّ عنصر من عناصر المركّبات هو تقدير له . وصنع كلّ شيء مركّب من عناصر في ذرّاته ، وأبعاده ، وأوزانه ، وأوصافه ليؤدّي الغرض من صنعه ، لا يتمّ إلّا بقدر ، أي : بتحديد مقدار الوحدات من كلّ عنصر كبيرا كان أم صغيرا ، ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( القمر / 54 مصحف / 37 نزول ) :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) .
هذا هو المعنى الأصلي للمادّة ، وقد تأخذ معاني أخرى إذا اقترنت بما يدلّ عليها ، كالإمضاء والحكم ، والتّدبير ، والمقايسة ، والتعظيم ورفع الشأن . وبناء على هذا التحليل اللّغوي يمكن أن نفسّر السّبب الّذي دعا إلى تسمية اللّيلة المباركة الّتي أنزل اللّه فيها القرآن بليلة القدر . فهي ليلة القضاء والحكم بمقادير الأشياء ، وليلة التدبير ، وليلة الشّأن العظيم والشّرف الرّفيع ، وليلة الإعلام بمقادير الآجال والأرزاق والأحداث ، وغير ذلك . وبهذه المعاني جاءت التعليلات المأثورة لتسمية هذه الليلة المباركة بليلة القدر .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 289 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني