عرضت هذه الآيات صورة مشهد متحرّك بديع ، يقدّم أبرز أحداث فصل نباتيّ ، يبدأ بالشّتاء مرورا بالرّبيع ، حتّى فصل الحصاد ، مع الرّتّع في خيرات الزّرع والثّمر ، غذاء وفاكهة للنّاس والأنعام ، ومتعة جمالية رائعة .
وفي عرض هذا المشهد البديع لفت نظر الفكر إلى بديع صنع اللّه الّذي أتقن كلّ شيء صنعا ، وإلى عظيم ألطافه الخفيّة ، وفيه أيضا لمس مشاعر الوجدان لمسا رفيقا حلوا ، لإيقاظ دوافع شكر المنعم من أعماقه .
وفي التّفكّر في ظواهر إعداد طعام الإنسان ، تستخرج أدلّة كافية للإيمان باللّه ، وبكتابه ، وبرسوله ، وباليوم الآخر للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء ، وأدلّة تهدي إلى وجوب اتّباع سبيل اللّه للنّاس في رحلة ابتلائهم عبر الحياة الدّنيا .
وهذا الإعداد يتمّ بوسيلة إنبات النبات من الأرض ، القائمة على عدّة شروط ظاهرة :
الأوّل : التّراب الصالح للإنبات .
الثاني : الماء الّذي يختلط بتراب الأرض ، فيمدّ البزور والجذور بما يلزم لها لتنبت .
الثالث : البزور والجذور المشتملة على الصّفات والخصائص القابلة لأن تنبت وتتنامى وتتكاثر ، وتخرج من الثّمرات والخضر ما هو غذاء الإنسان والحيوان ، وما هو فاكهة أو شبيه الفاكهة .
الرابع : الضّوء والحرارة اللّذان تمدّ بهما الشمس .
الخامس : الرّياح الّتي تمدّ بالغازات الّتي تحتاج إليها النباتات .
وكلّ هذه آيات من آيات خلق اللّه الّتي لا سلطان للإنسان على تكوينها ، وهي من ظواهر نعم اللّه على عباده .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 247
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٤٧