تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
*
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
: أي : بل الملائكة عباد من العباد المملوكين للّه ، وهم مكرمون ، أي : ذوو منزلة عالية عند ربّهم . *
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ
: أي : لا يقول الملائكة قولا لم يأمرهم اللّه بقوله ، أو لم يأذن لهم بقوله ، فهم في أقوالهم مطيعون لربّهم طاعة تامّة كاملة ، جاء في هذه العبارة التعبير عن الطاعة التامّة بعدم السّبق ، وهو كناية عن كمال المتابعة ، لأنّ السابق يتقدم فينفرد بنفسه في اختيار طريقه . *
وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
: أي : والملائكة بأمر اللّه وحده يعملون ، فلا يعملون بأمر غيره ، دلّ على القصر تقديم المعمول وهو « بأمره » على عامله ، وهو « يعملون » وهذا التقديم يفيد القصر . فدلّ هذا النصّ على أنّ تصرفات الملائكة القوليّة والعمليّة خاضعة خضوعا تامّا بعبوديّة كاملة للّه جلّ جلاله ، إذ خلقهم اللّه جنود طاعة ، ولم يخلقهم ليختبر إراداتهم الحرّة فيما آتاهم ، كما خلق الإنس والجنّ . *
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
: أي يعلم ما بين أيديهم ، وهو كلّ ما سبق في الماضي ، ويعلم ما خلفهم ، وهو كلّ ما سيأتي في المستقبل . ويعلم أيضا كل ما في أمكنة الوجود أمامهم ، وكلّ ما في أمكنة الوجود خلفهم ، لا تخفى عليه خافية . وهذا يدلّ على أنّه لا يستطيع أحد من الملائكة أن يقول قولا أو يعمل عملا إلّا بأمر اللّه أو بإذنه ، لأنّهم جنود مفطورون على الطاعة ، وأقوالهم وأعمالهم أثر لأقوال اللّه وأعماله ، بخلاف أقوال الإنس والجنّ وأعمالهما ، إذ الإنس والجنّ قد وضعوا موضع الامتحان ، ليحاسبوا ويجازوا على أعمالهم وأقوالهم ، فكان من لازم ذلك أن يمكّنوا من طاعة اللّه ومن معصيته .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 189 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني