تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
المعالجة الرابعة : ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ قوله في سورة ( سبأ / 34 مصحف / 58 نزول ) :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ( 41 ) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 42 ) .
دلّ هذا النّصّ على أنّ أكثر المشكرين كانوا يؤمنون بالجنّ وبخرافات الجنّ ، وأنّ الجنّ يزعمون لقرنائهم من الإنس أنّهم ملائكة ، فيصدّقونهم ، ويقولون للناس هؤلاء الّذين نتّصل بهم ويدعوننا لعبادتهم هم ملائكة ، فيجلبون لنا بعبادتهم نفعا ، ويدفعون عنّا بها ضرّا ، ويأتوننا بأخبار غيبيّة لا نستطيع أن نأتي بها إلّا إذا أخبرونا بها .
أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ
: أي : أكثر المشركين يؤمنون بالكفرة من الجنّ ، لا بما جاءهم عن ربّهم .
قالُوا سُبْحانَكَ
: أي : تنزّهت ربّنا عن أن يكون لك شريك في إلهيّتك ، فنحن بريئون من عبادتهم لنا ، في هذا اقتطاع لمشهد من مشاهد يوم الحساب ، وتقديم له كأنه تمّ وانقضى ، وهذا من روائع القرآن البيانية التي تدلّ على تحقق الوقوع .
أَنْتَ وَلِيُّنا
: أي : لا وليّ لنا إلّا أنت ، فلم نعبد نحن أحدا غيرك ، ولم ندع أحدا من دونك لعبادتنا ، ولم نتّخذ أيّ شيء يغرى أحدا بعبادتنا . أصل مادّة « الوليّ » تدور حول معنى الاتّباع ، فهي تطلق على التابع وعلى المتبوع . فالمعنى لم نتّبع غيرك ولم ندع أحدا لاتّباعنا .
مِنْ دُونِهِمْ
: أي : من غير من كانوا يعبدوننا ، فهؤلاء لم يكن بيننا