إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) :
أي : رأى محمّد جبريل في النزلة الأخرى عند سدرة المنتهى حين كان يغشى السّدرة ما يغشى ، أي : يجلّلها ويلابسها .
فما هذا الذي غشي السّدرة ؟
إنّه أشياء ذات حسن عظيم لا يستطيع أحد من خلق اللّه أن ينعته من حسنه ، كما جاء في حديث مسلم عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
وجاء في حديث عند مسلم أيضا عن عبد اللّه بن مسعود ، قال :
« فراش من ذهب » .
وجاء في رواية : « وغشيها ألوان لا أدري ما هي » .
وجاء في رواية : « غشيها نور من اللّه ما يستطيع أحد أن ينظر إليها » .
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( 17 ) : أي : ما زاغ بصر الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وما طغى . جاءت « ال » في البصر بدل الضمير المضاف إليه ، أي : ما زاغ بصره ، نظير ما جاء في قوله تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) .
ما زاغَ
: أي : ما مال ولا انحرف عن سوائه . أصل الزّيغ في اللّغة الميل والبعد ، يقال : زاغ السّالك عن الطّريق ، إذا عدل عنه ذات اليمين أو ذات الشّمال . وزاغ الفكر ، إذا عدل عن الصّواب ، وزاغ القلب ، إذا عدل عن الحقّ والهدى .
وَما طَغى
: أي : وما جاوز الحدّ في إدراكه لما شاهده . أصل الطغيان في اللّغة : تجاوز الحدّ الذي يكون الحقّ محدودا به .
دلّت هذه العبارة على أنّ مشاهدة الرّسول لما شاهد عند سدرة المنتهى قد كانت كلّها حقّا ، لم يداخلها ولم يخالطها وهم ناشئ عن ميل وانحراف عن حدود المشهود ، ولا وهم ناشء عن طغيان وزيادة على