تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
نزول أمين الوحي جبريل عليه السّلام على محمد بن عبد اللّه من موقعه الرّفيع في السّماوات بأزمان قليلة يسيرة ، واستبعدوا أن يعرج به في ساعات من اللّيل إلى سدرة المنتهى . وبعد بيان أنّ الرسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم ما ضلّ وما غوى ، وبيان أنّه ما ينطق في كلّ ما ينطق به عن الهوى . بعد كلّ هذا ينتقل إلى سؤال وهو : إذا لم يكن محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ضالّا عن غير قصد ، ولا غاويا عن قصد ، ولا ينطق عن الهوى ، فمن أين يأتيه هذا العلم العظيم الّذي يتحدّث به إلى النّاس ؟ وكيف تتوارد على فؤاده الآيات القرآنيّة نجما فنجما ( أي : قسما فقسما ) بحسب مقتضيات الحكمة في تكامل الدّين ، والتّدرّج الارتقائيّ فيه ؟ . وقد أجاب اللّه عزّ وجلّ على هذا السؤال الذي ينتقل إليه الفكر تلقائيّا بقوله :
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
( 4 ) أي : يوحى إليه به من ربّه ، فما هو من عبقريّته الخاصّة ، ولا هو من ملائكيّة فيه ولا ربوبيّة ، إذ هو بشر من البشر ، وعبد من عباد اللّه الذين اصطفاهم اللّه بالنّبوّة ، وكلّفهم أن يؤدّوا رسالات ربّهم لأقوامهم . [ إن ] حرف نفي مثل « ما » النافية . [ هو ] ضمير يعود على الّذي ينطق به مبلّغا إياه عن ربّه ، المفهوم من جملة :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) .
فالمعنى : ما هو الذي ينطق به مبلّغا إيّاه عن ربّه إلّا وحي من عند اللّه يوحى إليه به آنا فآنا ، أو آنا ثم آنا ، على سبيل التكرار والتجدّد ، ولم يوح إليه به دفعة واحدة ، لوجوه من الحكمة اقتضت ذلك ، وأبانتها الآيتان ( 32 و 33 ) من سورة ( الفرقان ) . الوحي : ظاهرة معروفة في تاريخ الرسالات الرّبانيّة ، وفي تاريخ الأنبياء والمرسلين ، ومعظم الشعوب تعرف هذه الظّاهرة ، ولديها ذكريات