يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
على أنّه عامّ أريد به خصوص من علم اللّه أنّه سيموت كافرا لأن الخطاب للكافرين مقصود به من اتصف بالكفر ما دام كافرا ، كما يقال للعاصي وهو متلبّس بالمعصية يا أيّها العاصي ، لكنّه قد يتوب ويقلع عن معصيته ، وكما يقال للنائم يا أيّها النائم استيقظ ، فإذا استيقظ لم يصحّ أن يقال له ذلك ، وكذلك إذا آمن الكافر خرج من الخطاب بعبارة
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
( 1 ) تلقائيّا بإيمانه وليس المقصود بالخطاب أفرادا بأعيانهم يلزمهم الخطاب دواما ، إذ السورة تتحدّث عن المبادئ ، ومناسبة ما عرضه المشركون على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد استثارت الحديث عن المبدأ حول موضوع العرض ، ولم تنزل لمعالجة شخصيّة لأشخاص بأعيانهم فقط .
إنّ عرض بعض كبراء مشركي قريش يتضمّن تأليف دين جديد مختلط من حقّ وباطل ، في مزيج أو خليط متنافر ، تتنافر عناصره أوّلا ، ثمّ تهدأ ليتألّف منها باطل جديد ، تضيع عناصر الحقّ فيه وتفسد .
إنّ صراط الحقّ واضح بيّن ، محدّد المعالم ، مستقيم لا اعوجاج فيه ، وأيّ عبث فيه أو انحراف عنه يجرّ إلى الباطل فالتّهلكة لا محالة .
والخطاب للكافرين في السّورة يتضمّن أعنف مواجهة للمساومين على الباطل ، المداهنين للحقّ ، الذين يفاوضون للخلط بين الحقّ والباطل ، بغية إقامة مصالحة توفيقيّة بين متناقضات لا يمكن اجتماعها ، إذ يصفهم بدون مقدّمات ليّنة بأنّهم كافرون ، أي : مبطلون يجحدون الحقّ ، ويسترون جحودهم بالمعاذير الكلامية ، والعلل السّاقطة ، الّتي لا تنهض بها حجّة مقبولة .
وتتضمّن هذه المواجهة عدّة مفهومات :
المفهوم الأول : أنّ ما نؤمن به وندعو إليه حقّ لا شكّ فيه ، ولا شبهة حوله .