المبادئ والحقائق الاعتقادية ، هي أوّل خطوة في طريق الضعف والوهن والانحراف . ولأنّ أيّ تنازل عن جزء من الحقّ الّذي يمثّل وحدة اعتقاديّة متكاملة هو تنازل عن الحقّ كلّه ، الشامل لكلّ عناصره ، مهما كانت الذرائع ، إذ المبادئ والحقائق الاعتقاديّة هي الجوهر والأصل الثابت ، وما عداها من مصالح شخصيّة أو غايات مرافقات لها فإنّها خارجة عنها ، وغير داخلة في عناصرها .
إنّ وحدة الصف لا ترقى بحال من الأحوال إلى مستوى وحدة المبدأ الحق ، فوحدة الصف الذي لا تجمعه وحدة مبدأ حقّ يكوّن صفّا خليطا من أصحاب مبادئ متنافرة ، وعقائد متباينة ، ومصالح متخالفة ، وما أسرع ما تدبّ خلافات المصالح الفرديّة فيه ، فتفكّكه وتمزّقه وتشتّته .
إنّ الذي يقبل المساومة والمصالحة من الحقوق إنما هي الحقوق الشخصيّة ، الّتي ترتبط بها مصالح دنيويّة ، فللفرد أن يساوم ويصالح على حقّ ماليّ له ، فيتنازل عنه أو عن جزء منه ، ويسامح بسائره ، حرصا على وحدة الصّفّ ، وجمع الكلمة ، واستبقاء الألفة والمحبّة بين الإخوة .
فالحفاظ على وحدة الصّفّ وجمع الكلمة أجلّ وأسمى من المصالح الشخصيّة الفردية ، وتنازل الفرد عن حقّه الشخصيّ من أجل وحدة صفّ الجماعة فضيلة خلقيّة عظيمة ، وإيثار محمود .
وربّما تحسن المساومة والمصالحة في الطّرق المؤديّة إلى الغاية الواحدة المشتركة ، إذا اختلفت الاجتهادات في أسهلها أو أقربها أو أكثرها سلامة وأمنا ، مع احتفاظ المتنازل عن العمل باجتهاده في الطرق والوسائل بما رأى ، على أنّه فكرة موقوفة التنفيذ إذ وافق على العمل برأي غيره ، حرصا على وحدة الصّفّ ، الّتي تتكاثر بها القوى لتحقّق الغاية ، إذ لو تفرّق أصحاب الآراء ، فعمل كلّ واحد منهم بما رأى في اجتهاده الخاصّ ،
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 712
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٧١٢