خير من كلّ باق حميد جليل يناله السّاعون للآخرة وما فيها من نعيم مقيم بعد رحلة الحياة الدنيا ، رحلة الابتلاء .
وإذا ربطنا فكرة سورة ( التكاثر / 102 مصحف / 16 نزول ) بفكرة سورة ( العصر / 103 مصحف / 13 نزول ) السابقة في النزول ، والتي أبان اللّه عزّ وجلّ فيها أنّ واقع حال الإنسان في خسر دائم ، لأنّه يضيّع وقته الذي هو رأس ماله مع طاقته في الحياة الدنيا ، فيما لا خير له فيه ، باستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصّبر ، وضح لنا أنّ سورة ( التكاثر ) تبيّن دافع رغبة الإنسان في التكاثر من فانيات الحياة الدّنيا ، الّذي هو أحد أسباب انغماس الإنسان في واقع الخسر الدائم مع لحظات عمره ، الذي جاء بيانه في سورة ( العصر ) .
ثمّ إذا تأمّلنا ما جاء في سورة ( العاديات / 100 مصحف / 14 نزول ) التي نزلت بعد سورة ( العصر ) وقبل سورة ( التكاثر ) وجدنا أنّها قد تحدّثت عن حبّ الإنسان الشديد للمال ، في قول اللّه عزّ وجلّ فيها :
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
( 8 ) :
لحبّ الخير : أي : لحبّ المال ، إذ يرى الناس المال خيرا .
ومن هذه السّور الثلاث نستخلص أنّ دافع حبّ المال حبّا شديدا ، مع رغبة التكاثر منه ومن الأولاد وسائر زينة الحياة الدنيا ، ومع توجيه الجهد والطّاقة خلال مرور ساعات العمر ، للجمع من الدنيويّات الفانيات ، من أعظم أسباب وقوع الإنسان في الخسر ، ما تتابع عليه مرور العصر ، الذي هو الزمن السّيّال ، وعمر الإنسان مقطع سيّال منه .
وهكذا يتكامل بناء الأفكار المعرفيّة في القرآن ، مع مراحل التنزيل ، لبنة فلبنة ، وضمن هذا المنهج التدرّجيّ تتكامل الموضوعات القرآنيّة جامعة كلّ عناصرها .