فالعمل ابتغاء التكاثر من زينة الحياة الدّنيا ، دون حاجة الحياة إلى الزائد ، هو لهو بما لا خير فيه للمتكاثر ، ولا نفع له منه ، وانصراف عمّا هو له خير وأعظم وأجلّ في آجل أمره ، وقد يكون لهوا أيضا عمّا هو خير له في عاجل أمره ، كصلاح البال ، وطمأنينة القلب ، وراحة الضمير ، ورضا النفس ، والاستمتاع بما أعطاه اللّه ويسّر له من متع الحياة الدّنيا ، مع القناعة بأنّه الخير له والأفضل ، إذ هو المختار له بقضاء اللّه وقدره .
فكم من كادّ كادح مستكثر من جمع الأموال ، واقتناء تحف الدّنيا ، محروم من الاستمتاع بما يجمع في حياته ، ومحروم من حظّ الآخرة عند اللّه في جنّات النعيم ، ومضيّع عمره في التّلهّي بما لا خير له منه ، هذا إذا استطاع في جمعه واقتنائه واستكثاره أن يسلم ممّا يحمل به إثما ، أو يجني به جرما ، أو يغرم به غرما ، أو يظلم به ظلما ، أو يعذّب به نفسه همّا وغمّا .
وكذلك الكادّون الكادحون للظفر بجاه أو سلطان في الأرض ، والكادّون الكادحون لبناء القصور والجنّات ، أو جمع القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة ، أو اغتنام الكثير من اللّذّات ، إنّهم ينفقون أعمارهم في التّلهّي بالتكاثر عمّا هو لهم خير وأفضل ، ممّا يحقّق لهم السعادة والهناء ، في الدنيا دار الابتلاء ، وفي الآخرة دار الجزاء ، دون أن يحصلوا من العاجل الأدنى على ما يسعدهم ، ويورثهم الراحة والطمأنينة .
كثير من الناس يكدحون لامتلاك أموال كثيرة لا يحتاجونها في حياتهم ، فلا ينفقونها فيما هو متاع لهم ، وتحقيق لمنافع ولذّات ، وحريّ بهؤلاء أن يكونوا هم المملوكين لأموالهم ، يثمّرونها ويحفظونها ، لا المالكين لها ، لأنّها ستصير إلى غيرهم . وهذا المعنى نجده فيما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس « 1 » ، أنّه رأى في يد رجل
هامش
( 1 ) نقلا عن ابن كثير في تفسيره لسورة التكاثر .