فالمراد بزيارة المقابر موتهم ، وتهيّؤ أجسادهم للدّفن في المقابر ، وعبارة :
زُرْتُمُ الْمَقابِرَ
كناية عن الموت ، وتضمّنت هذه الكناية بالإضافة إلى الدّلالة على الموت الدّلالة على البعث بعد الموت ، باستعمال فعل :
« زرتم » الذي يدلّ على الحضور المؤقّت والّذي ينتهي بالبعث إلى الحياة الأخرى ، والانتقال إلى الدّار الآخرة ، لأنّ من يزور مكانا يحضر فيه حضورا مؤقّتا ، وينصرف بعده عنه إلى مكان إقامته ، وكذلك من يزور إنسانا يمرّ به ، أو يحضر عنده ، بصفة مؤقّتة لا بصفة دائمة ، وتضمّنت التوجيه لدفن موتى الناس في القبور إذ هو من محاسن الأمور .
فجاء في هذه الكناية البديعة ، إدماج الدّلالة على معنى البعث في الدّلالة على معنى الموت ، وإدماج التوجيه الحميد لدفن موتى الناس في المقابر ، تكريما لأجسادهم ، ورعاية لصحّة الأحياء من الناس .
روى ابن أبي حاتم بسنده عن ميمون بن مهران ، قال : كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ :
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ
( 2 ) فلبث هنيهة ثمّ قال : يا ميمون ، ما أرى المقابر إلّا زيارة وما للزّائر بدّ من أن يرجع إلى منزله .
وجاء عند ابن كثير في تفسيره أنّ بعض الأعراب سمع رجلا يتلو قول اللّه عزّ وجلّ :
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ
( 2 ) فقال :
بعث القوم وربّ الكعبة .
وأصل معنى القبر : الدفن في الأرض ، يقال لغة : قبر فلان الميّت إذا دفنه .
التكاثر الملهي من الفانيات ، الصارف عن العمل للنّعيم الخالد
كلّ ما يزيد عن حاجة الإنسان ، وحاجة أسرته في الحياة ، بدافع الرغبة في التكاثّر من زينة الحياة الدّنيا ومتاعها وأموالها ، فإنفاق الوقت فيه من التّلهّي عمّا ينبغي للإنسان أن يغتنم منه ثوابا عظيما في نعيم مقيم .