درهما ، فقال : لمن هذا الدرهم ؟ . فقال الرجل : لي . فقال له الأحنف بن قيس : إنّما هو لك إذا أنفقته في أجر ، أو ابتغاء شكر ، وأنشد متمثلا قول الشاعر :
أنت للمال إذا أمسكته * فإذا أنفقته فالمال لك
إنّ طلّاب الدنيا يظلّون لاهين عن الخير الجليل العظيم الباقي ، بما يكدحون في الحياة ابتغاء التكاثر ، وحين تسعفهم المقادير الرّبّانيّة يكرعون مستكثرين دون أن يرتووا ، كالظامئ الّذي يكرع من ماء ملح أجاج ، وكالمريض الذي يشرب ولا يرتوي ، ويأكل ولا يشبع ، ويضاعفون كدّهم مستكثرين ، رجاء أن يصلوا إلى الارتواء ممّا يستكثرون من أشياء ، فلا يصلون ، وتأتيهم مناياهم ، فيأخذهم الموت من أشيائهم الّتي استكثروا منها ، دون أن تكون سبب سعادتهم في الحياة الدنيا ، ثمّ يجدون أنفسهم محرومين في الآخرة من الزّاد الذي كان عليهم أن يتزوّدوا منه ، ويجدون أنفسهم محمّلين بأثقال من الأوزار الّتي جنوها طمعا في التكاثر .
إنّهم يزورون مقابرهم وقد تلهّوا في حياتهم عمّا ينفعهم فيها ، بجلب نعيم أو دفع عذاب ، ثمّ تنتهي زيارتهم للقبور بالبعث إلى يوم الحساب والجزاء يوم الدين ، الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون ، إنّما ينفع فيه العمل الصالح ومن أتى اللّه بقلب سليم ، ويومئذ يرون أنّهم قد ضيّعوا أعمارهم في اللّهو ، إن لم يكونوا قد ضيّعوها في الاشتغال بحمل الأوزار ، وسلوك مسالك الفجّار .
أليست هذه الحقيقة حول أعمار الناس في الحياة الدنيا ، التي ينفقونها في التلهّي بالتكاثر ، جديرة بأن ينزل اللّه عزّ وجلّ في بيانها سورة ( التكاثر ) ليبيّن فيها دافع الرغبة في التكاثر الذي يخسر به الإنسان أوقات عمره المحدود ، في اشتغاله بأشياء لا خير له منها ، فيلهيه اشتغاله بها عمّا هو له