ولم يقتصر أمر الإنسان ( والمراد معظم أفراد هذا النوع ) على استعماله لهذه الوسيلة الحربيّة ، التي هي الخيل ، في غزوات السّلب والنّهب ، والظلم والعدوان ، والاستعلاء في الأرض بالبغي والطغيان ، بل جعل ذلك قانونا محمودا ، وحقّا للأقوياء على الضّعفاء ، وقاعدة متعارفا عليها من قواعد المجتمعات البشريّة ، وتقليدا متّبعا ، وحكما سائدا ، لا يعيب فيه الناس بعضهم على بعض ، فقلب الإنسان بهذا مفاهيم الحقّ والباطل ، فهو يفعل ما يفعل من الجرائم متفاخرا ، شاهدا على نفسه بما يفعل ، مفرّقا بين جرائمه الشّنيعة وبين اللّصوصيّة وأشباهها ، إذ يزعم أنّ الغزو للسّلب والسّطو والقتل والأسر حقّ الأقوى على الأضعف .
وهذا غاية الكنود والجحود والكفران ، والسّبب الباعث حبّه الشديد للمال .
وقد جاء المقطع الثّاني من السّورة بجمله الثلاث الموجزات ، مبيّنا بصريح الكلام وبلوازمه الفكريّة هذه القضايا عن واقع حال الإنسان ، فقال اللّه عزّ وجلّ في المقسم عليه في السورة :
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
( 8 ) .
جمل ثلاث ، كلّ جملة منها آية ، كأنّها درّات في عقد نفيس ، والروابط بينها روابط أشعّة وظلال ، وروابط مفهومات فكريّة ، يستخرجها التّدبّر الواعي ، والتأمّل العميق .
ونلاحظ هنا أنّ رصف هذه الجمل المنتقيات بحكمة عظيمة ، دون إبراز الروابط بينها بعبارات كلاميّة ، أسلوب مختار لإعطاء القرآن المجيد صفة العمق من وراء دلالات السّطح .
وهذه الجمل هي بمثابة عنوانات مباحث يحيط بها موضوع واحد شامل ، وتفصيلها يأتي في كرّاسات .