فَلا تَقْهَرْ :
الفاء واقعة في جواب الشرط . و « لا » حرف نهي يجزم الفعل المضارع ، وهو هنا : « تقهر » .
القهر في اللّغة : الغلبة ، والأخذ من فوق ، والمقهور هو المأخوذ من غير رضاه . وقد كان المتبادر إلى الذهن أن يكون التوجيه للأمر بإكرام اليتيم ، لا إلى النّهي عن قهره ، فما هي الحكمة ممّا اختير في النّصّ ؟
أقول : لمّا كان المتبادر من معنى الإكرام الإعطاء والبذل ، وهذا قد يكون مع التّعالي والإشعار بالتّفضّل ، وفي هذين نوع من الغلبة الّتي لا ترضي آخذ العطاء حينما يأخذه اضطرارا أو عن حاجة ، كان من المناسب التصريح بالنهي عن قهره ، وفي هذا إعلام ضمنيّ لغير الرسول بأن لا يقهر اليتيم ولو كان يعطيه ويبذل له مالا أو معونة أو خدمة ما .
على أنّه قد سبق في سورة ( الفجر / 10 نزول ) زجر الّذين لا يكرمون اليتيم ، فكان من المناسب في سورة ( الضحى / 11 نزول ) التّصريح بالنّهي عن قهره ، ولو مع معونته والإنعام عليه .
ولتطبيق هذه المحمدة وجوه كثيرة لا تخفى على أهل الذكاء ، ومنها إقامة دور لرعاية اليتامى لا تظهر فيها وجوه المحسنين .
وقد جاء التوجيه لإكرام اليتامى والنّهي عن قهرهم في المراحل الأولى لتنزيل سور القرآن ، اهتماما بالمستضعفين المحرومين من الحنان ، الّذين يشعرون بأنّهم في حياتهم مغلوبون مقهورون ، وربّما كانوا مع ذلك ذوي حاجة فقراء ، وهذا يضاعف من آلامهم .
إنّ اليتيم تزدحم في نفسه تصوّرات أنّه مغلوب مقهور ، إذ هو محروم من أبيه الّذي لو كان حيّا لكان به معزّزا كريما مكفيّا ، ومحبوبا مدلّلا ، وأنّ من يحسن إليه يفعل ذلك شفقة عليه ، لا حبّا له .
فكيف بمن يذلّه ، ويطرده ، ويدعّه دعّا ، ويستولي على ماله ، ويكلّفه من الأعمال فوق تكليف أترابه ونظرائه من غير اليتامى .