لقد أضاء اللّه له آفاق التفكير والتّأمّل ، وأنزل عليه فيوض المعارف ، وألهم قلبه ونفسه حبّ الحقّ والخير والفضيلة ، فكان يرى الخلق الكريم ، والسّلوك القويم ، فيلتزم بهما محاطا بعناية اللّه وتوفيقه ، وكان يرى قبائح الجاهليّة ووثنيّاتها ، فتعزف نفسه عنها ، حتّى اللّهو الّذي لا شرّ فيه ولا ضرّ لم يكن له به تعلّق ، وهذا من عناية اللّه به ، وتأديبه له ، وهدايته وتوفيقه .
وظلّ كذلك في مراحل نشأته ، حتّى كان الرّجل الّذي يشار إليه بالأمانة وكمال الخلق في قومه .
ثمّ اصطفاه اللّه بالنّبوّة ، ففتح عليه فيوض العلم والهداية ، ثمّ بعثه رسولا ، وصار الوحي يأتيه ، وتتنزّل عليه آيات اللّه ، وتفيض على قلبه واردات الحكمة .
وكلّ هذا من مظاهر المنّة الثّانية الّتي امتنّ اللّه بها عليه في قوله له :
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
( 7 ) .
فإذا رجع إلى وجدانه يتفكّر في هذه المنّة فإنّه لا بدّ أن يكون على ثقة تامّة ، ويقين راسخ بأنّ ربّه لن يتخلّى عنه ، فلن يودّعه ، ولن يهجره قاليا .
*
وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
( 8 ) :
عائلا : أي : فقيرا ، يقال لغة : عال فلان يعيل عيلا وعيلة ، أي :
افتقر ، فهو « عائل وعيّل » أي : فقير ، والجمع « عالة وعيّل » .
فأغنى : أي : فأغناك ، حذف الضمير إيجازا ولمراعاة رؤوس الآيات في السورة ، يقال لغة : أغنى اللّه فلانا ، أي : جعله غنيّا .
ويقال : غني فلان يغنى غنى ، أي : كثر ماله فهو غان وغنيّ ، إذ صار مكتفيا به لسدّ حاجات معاشه .