تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
الفاء في : ( فأما ) دلّت على أنّ ما بعدها مفرّع عن شيء جاء بيانه في الدرس الأول من السّورة . وبالتأمّل يظهر لنا أنّ قول اللّه عزّ وجلّ في آخر الدرس الأول :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) دلّ على أنّ الناس لو لم يكونوا موضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان لما كان اللّه لهم بالمرصاد . وكون الناس موضوعين في الحياة الدنيا موضع الامتحان ، يقتضي أن يكونوا ممتحنين بقضيّة بسط الرزق وتوسعته ، أبو بتضييقه وتقليله ، وذلك بحسب خصائصهم النفسيّة الّتي فطرهم اللّه عليها ، ضمن أمور كثيرة جدّا امتحنهم اللّه ويمتحنهم بها ، ولكنّ البيان هنا وجّه العناية لقضية الأرزاق لأهمّيتها عند الناس ، وللحاجة إليها دواما ، ولأنّ بذل المال ابتغاء مرضاة اللّه من المطالب الأولى في سلوك الإنسان المؤمن المسلم ، ويأتي بعد الصلاة للّه مباشرة . أي : فتفريعا على كون الناس ممتحنين بكلّ عطاء من اللّه أو منع في ظروف الحياة الدنيا ، يشاهد المتتبّع الخبير أنّ الناس غافلون عن حكمة اللّه في ابتلاء الناس ، ويتوهّمون أنّ توسعة الرزق لبعض الناس تكريم من اللّه لهم ، وأنّ تضييقه على بعض عباده إهانة من اللّه لهم . وكلمة : [ أمّا ] حرف فيه معنى الشرط والتوكيد دائما ، وفيه معنى التفصيل غالبا ، وتكرّر كثيرا حينما تحمل معنى التفصيل ، كما جاء هنا في السورة . إنّ الحكمة من البسط والتّضييق هي الابتلاء ، أي : الامتحان والاختبار . لكنّ الإنسان أخطأ الفهم عن اللّه ، وأخطأ في تعليل تصاريفه في خلقه ، فأبعد عن ذهنه حكمة الامتحان وقدّم من توهّمه تعليلا تفصيليّا آخر ، فزعم أنّ بسط الرّزق تكريم من اللّه لعبده ، وأنّ تضييقه إهانة من اللّه له . وكلا التوهّمين باطل يستحقّ صاحبه عليه الزّجر والرّدع .