وبهذا استكملت الصورة تعبيراتها المقصودة بالبيان .
هذا أوّل عرض قرآنيّ نزل بشأن إهلاك أمم ماضية كذّبت رسل ربّها ، وطغت في البلاد ، وأكثرت في الأرض الفساد ، وهو عرض موجز غاية الإيجاز ، ثمّ نزلت في القرآن بعد هذا تفصيلات متتابعات ، كلّ منها يلائم المناسبة التي ورد بشأنها .
*
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) :
هذا هو المقسم عليه في السورة ، إذ بدأت بالقسم بالفجر ، وليال عشر ، والشّفع والوتر ، واللّيل إذا يسر .
المرصاد : هو مكان الرّصد أو طريقه ، الرّصد هو المراقبة التامّة لأمر ما ، دون سهو أو غفلة ، لئلا تمرّ لحظات يفلت فيها المرصود ويخرج عن ساحة المراقبة .
فراصد النجم يتابع حركته وظهوره واختفاءه ، والأسد يرصد فريسته ، والحرّاس يرصدون الطرقات من حولهم يترقّبون ، حتّى لا يداهم المحروس عدوّ أو لصّ .
وهذا التّعبير القرآنيّ :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) كناية عن مراقبة اللّه للمجرمين دواما ، في كلّ الأزمان حتّى أقصر وحداتها وأصغرها ، مع شمول علمه لكلّ حركة وسكنة من حركاتهم وسكناتهم ، وبما أنّه حكيم عدل منتقم جبّار ، وله سنّة في عباده ثابتة لا تبديل لها ولا تحويل فيها ، كما جاء التصريح به فيما نزل من قرآن بعد هذا في عدّة سور ، فإنّه سينزل عذابه وإهلاكه على المجرمين اللّاحقين ، كما أنزله على المجرمين السابقين .
وفي هذا إلماح إلى إنذار ووعيد بعذاب وإهلاك لكلّ المجرمين ، متى وصلت حالتهم إلى مثل الحالة التي وصل إليها المعذّبون المهلكون الغابرون .