والمراد من الإنسان الجنس الّذي ينطبق على معظم أفراده ، ولا يراد به من آمن باللّه وأسلم له ، وفهم حقيقة حكمة اللّه في عطائه ومنعه ، ونعمه ومصائبه ، في ظروف الحياة الدنيا ، وأنّ القاعدة العريضة في كلّ ذلك الابتلاء ، فهذا الإنسان لا يجري وراء توهّماته ، فلا يقول مقالة الجاهلين .
ولا تشمل عبارة ( الإنسان ) هنا الكافر والملحد الذي يرى أنه نال أمواله بعلمه ومهارته ، أو بمصادفة حظ .
*
إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ :
أي : إذا امتحنه اللّه ربّه المهيمن عليه بسلطان ربوبيّته ، و « ما » بعد إذا تأكيديّة لمعنى الشرط ، أو لفعل الشرط .
مادة الابتلاء تدلّ في أصل معناها على الامتحان والاختيار ، لكشف ما لدى المبتلى من صفات كامنات ، بعمل إراديّ ذي أثر يدرك في النفس ، أو في حركات وتصرّفات الجسد الإراديّة ، ويكون الابتلاء بالنعم وبالمصائب .
*
فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ :
فأكرمه : أي : فجعله بعطاءاته له مترفّعا عن الحاجة إلى الناس ، واستجداء صدقاتهم ومعوناتهم .
ونعّمه : أي : جعله يتنعّم بما أعطاه من وسائل التّرفّه في الحياة الدنيا ، يقال لغة : نعّم اللّه الإنسان ، أي : أفاض عليه نعما وأرزاقا وخيرات ، جعلته يستمتع بلذّاتها في حياته .
ومن فعلي : « أكرمه ونعّمه » ومقابلتهما بقوله : [ ومن قدر عليه رزقه ] نفهم أنّ المراد وسّع له رزقه .
*
فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ
وفي قراءة [ أكرمني ] : أي : أعطاني ما أنا له أهل من تكريم وتعظيم ومكانة عالية .
يقال لغة : أكرم فلان فلانا إذا عظّمه ونزّهه وشرّفه . والعبارة تدلّ بإيحائها على أنّ القائل يشعر باستحقاقه لهذا التكريم .