يمضي شيئا فشيئا ، إذ قد يكون هو الوقت المختار لإنزال بأس اللّه في الذين يقضي اللّه بإهلاكهم من أمم الكفر ، وكم من قرية كفر أهلها وظلموا وطغوا وبغوا فجاءهم بأس اللّه بياتا ، وهم نائمون ليلا .
يسري : أي : يمضي . وقد يكون من فعل « سرى فلان يسري » إذا مشى ليلا ، وجاء وصف اللّيل هنا بأنّه يسري على معنى أنّه يسرى فيه ، كما يقال : نهاره صائم ، وليله قائم .
وهذا من المجاز العقلي ، كما يقول كثير من علماء البلاغة ، إذ جاء فيه إسناد الفعل إلى زمن فعل الفاعل ، لا إلى الفاعل نفسه « 1 » .
وفي القسم باللّيل إذا يسري إشارة إلى تبييت اللّه الناس بالعذاب ، إذا حقّت عليهم كلمة العذاب ، لأنّ اللّيل هو الوقت الذي يكثر اختيار اللّه له ، ولا سيما أواخره ، ومع انبعاث الفجر ، لإنزال العذاب وإهلاك من قضى اللّه بإهلاكهم .
وفي هذا القسم وعيد للمجرمين المكذبين برسالة رسول اللّه ، الّذين يعملون على اضطهاد المؤمنين وتعذيبهم والإفساد في الأرض ، بأنّهم يعرّضون أنفسهم لإنزال عقاب اللّه فيهم ، وإهلاكهم كما أهلك نظراءهم من مجرمي القرون الأولى .
ودلّ على الوعيد استعمال لفظ « إذا » في قوله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
( 4 ) فهو ظرف لما يستقبل من الزمن .
أي : فسنّة اللّه في تبييت المجرمين بالمعذّبات والمهلكات سنّة ثابتة ، يجري تنفيدها كلّما قضت حكمة اللّه بإهلاك مجرمين لاحقين ، إلى أن تقوم
هامش
( 1 ) انظر « تقسيم الإسناد في الجملة إلى حقيقي ومجازي » في كتاب : « البلاغة العربية » للمؤلف ج ( 1 ) ص ( 194 ) .