تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
البحر ، وهال فرعون وجنوده أن يفلت الإسرائيليّون من أيديهم ، وأوهموا أنفسهم أنّ الحدث قد كان ظاهرة طبيعيّة تجمّد بها الماء ، ولم تكن معجزة ربّانيّة منحها اللّه لموسى عليه السّلام ، فتبعوهم ليلا ، ودخلوا وراءهم مكابرين من حيث دخلوا ، وانتهى خروج أواخر بني إسرائيل قبيل الفجر ، واستكمل فرعون وجنوده الدخول في مكان الفرق من البحر ، ملاحقين بني إسرائيل ، والبحر جامد ساكن ، وأمر اللّه موسى أن يترك البحر رهوا ، أي : ساكنا متجمّدا عند مكان العبور ، إغراء للعدوّ الملاحق ، ثمّ أمر اللّه موسى أن يضرب بعصاه البحر ، فضربه فذاب الجليد ، والتأم الماء ، وغرق الجيش الملاحق كلّه عند الفجر . وكانت أحداث هذه اللّيالي العشر من أول المحرّم حتّى العاشر منه ، الذي هو يوم الإنقاذ لبني إسرائيل ، والإهلاك لفرعون وجنوده أحداثا عظيمة تستحقّ أن يقسم اللّه بها ، كناية عن صفات عدله ، وانتقامه وانتصاره لرسله والّذين آمنوا معهم ، باعتبارها الزمن المختار لتحقيق سنّة اللّه التي لا تبديل لها ولا تحويل . ومن هذا التتبّع ندرك أنّ الفجر هو الوقت المختار من العزيز الجبار لبدء توجيه وسائل إهلاك عاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وفرعون وجنوده . فهذا الوقت جدير بأن يقسم اللّه به ، على تقدير أنّ القسم به هو قسم بحكمته في مقادير جزائه وعقابه المعجّل لمستحقّي العقاب في كثير من وقائع إهلاكه لكفّار أهل القرون الأولى . وبالنظر في نصوص القرآن نلاحظ أنّ إنزال البأس وإجراء الإهلاك أو التعذيب بياتا ، أي : حين دخول الناس في الليل ، ولا سيما في أواخره مع دخول الفجر ، أو حين قيلولة الناس وسكونهم بعد الظهر هو السّنّة المفضّلة في مقادير اللّه للإهلاك ، وقد يكون في وقت الضحى وهم يلعبون .