تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
وما لأحد عنده من نعمة كان قد أنعم بها عليه ، فهو يكافئه ويجازيه على نعمته ، من الّذين يبذل لهم ما يجب عليه أن يبذله من ماله للفقراء والمساكين وذوي الحاجات . فإن كان ببذله لما يجب عليه أن يبذله من ماله مكافئا صاحب نعمة عليه ، فإنّه لا يعتبر مؤدّيا ما فرض اللّه عليه في ماله ، فلا يتحقّق بكمال التقوى ، ولا يوصف بوصف الأتقى الّذي يؤتي ماله يتزكّى ، إذ لا يصحّ أن يكافئ باذل المال ذا نعمة على إنعامه عليه ، ويحتسبه من الصّدقة الّتي يبتغى بها وجه اللّه ، كما لا يصحّ أن يدفع أجرة عامل يعمل عنده ، ويحتسبها من الصّدقة الّتي يجب عليه أن يبذلها . إنّ صدقة المال لا يصحّ أن تكون إلّا ابتغاء وجه اللّه عزّ وجل ، وقد جاء بيان هذه الحقيقة الدينيّة مع أوائل التّنزيل ، للتنبيه على ضرورة كون العمل الديني خالصا لوجه اللّه تعالى ، ولا سيما كون هذا البيان قد كانت له مناسبة كما ذكر المفسّرون ، وهي أنّ أبا بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه لمّا أعتق بلالا رضي اللّه عنه قال المشركون : ما فعل أبو بكر ذلك إلّا ليد كانت لبلال عنده ، فبرّأ اللّه أبا بكر من هذا ، بأسلوب الإيماء ، وأثنى على أبي بكر بأنّه يدخل في عموم الأتقى ، إيماء لا تصريحا . * قول اللّه عزّ وجلّ :
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
( 20 ) . ( إلا ) هنا بمعنى « لكن » أي : وما لأحد عنده من نعمة تجزى ، لكن يؤتي ماله ابتغاء وجه ربّه الأعلى ، وجاء وصف الرّبّ بوصف الأعلى لدفع توهّم إطلاق كلمة « ربّ » بمعنى المنعم الذي يشمل المنعم من الناس في لغة العرب ، فالمرحلة التي نزلت فيها السّورة مرحلة مبكّرة ، ولم يثبت بعد في أذهان الناس تخصيص الرّبّ باللّه الخالق جلّ جلاله ، مع ما في ختم الآية بلفظ ( الأعلى ) من فنّيّة مراعاة رؤوس الآيات في السّورة .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 504 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني