أي : وسيجنّب النّار ، ويبعد عنها ، فلا يدخل فيها ، ويوقى من كلّ أنواع عذابها ، الأتقى .
الأتقى : هو الّذي بلغ كمال التّقوى ، بفعل كلّ ما أوجب اللّه ، وترك كلّ ما حرّم اللّه ، لا الّذي فيه بعض التّقوى وبعض العصيان ، أي : فالّذي له معاص نقص بها عن كمال مرتبة التّقوى ، فقد لا يجنّبها ، بل قد يعذّب بها ، إلّا أنّه عذاب لا يصل إلى دركة الصّلي ، بل هو عذاب دون ذلك .
وما دام التوجيه السلوكيّ في السّورة قد أعطى العناية الكبرى لبذل المال إلى مستحقّيه من المساكين ، وذوي الحاجات ، كان من المناسب أن يصف اللّه عزّ وجلّ الأتقى بقوله :
الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
( 20 ) .
يؤتي ماله : أي : يعطي ماله .
يتزكّى : أي : يتطهّر بالعطاء من رذيلة البخل ، ومن إثم المعصية ، وينمو به عند اللّه كمالا ، فالزكاة تدور حول معنيي الطهارة والنّماء .
وقد يلاحظ أنّ إدخال كلمة : ( يتزكى ) في عبارة الترغيب في العطاء ، خلال هذه المرحلة المبكّرة من تنزّلات القرآن ، هو من باب التوطئة لعنوان « الزكاة » الّتي ستفرض على المسلمين فيما بعد .
وجاء قول اللّه عزّ وجل :
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى
( 19 ) لبيان أنّ مقتضيات التقوى توجب على الباذل لماله الذي يجب عليه أن يبذل من ماله ليتزكّى ، أن لا يجمع بين المكافأة على نعمة وصلت إليه من أحد من مستحقّي المساعدة الماليّة ، وبين الزكاة ، وذلك بجعل المكافأة هي زكاة ماله ، فالمكافأة يجب أن تكون عطاء منفصلا عن إعطاء الزكاة لمن يستحقّها .
فالجملة القرآنيّة خاصّة ببيان أنّ البذل ابتغاء وجه اللّه لا يصحّ أن يدمج فيه إرادة مكافأة المنعم على إنعامه ، وفي بسط هذا أقول :