تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
هي الأولى ، ولدار الحساب والجزاء الّتي هي الأخرى ، وكان من التوهّمات التي قد تقع في النّفوس استبعاد وجود حياة أخرى ، كان من المناسب بيان أنّ الرّبّ الممتحن مالك الحياة الأولى ، هو وحده مالك الحياة الأخرى ، وتقضي حكمته بأن يحاسب عباده ويجازيهم في الأخرى ، كما ابتلاهم في الأولى ، فقال اللّه عزّ وجل :
وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى
( 13 ) . وجاءت هذه الجملة مؤكّدة بمؤكدات ثلاثة ، كالجملة السابقة . أي : وإنّ الآخرة والأولى وكلّ ما فيهما ، وكلّ من فيهما ملك لنا ، وجاء التعبير باستعمال ضمير المتكلّم العظيم ، والمعنى فنحن الممتحنون في الأولى ، ونحن المحاسبون والمجازون في الأخرى ، ونحن القادرون على إيجاد الأخرى .

السؤال الثالث المطويّ :

إذا كانت الحياة الدنيا هي حياة الابتلاء ، وكانت الحياة الأخرى هي حياة الحساب وفصل القضاء والجزاء ، فكيف يكون عذاب الآخرة لمن كفر بربّه ، ولم يستجب لدعوة رسوله ؟ وقد جاء الجواب الرّبّاني على هذا السؤال المطويّ بقول اللّه عزّ وجلّ في السّورة : [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 14 إلى 16 ] فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) فأنذرتكم : الإنذار هو الإعلام بما هو مخوف منه مستقبلا . تلظّى : أصلها : تتلظّى ، أي : تتلهّب . ولظى النّار هو لهبها . لا يصلاها : أي : لا يحترق بلهبها ، يقال لغة : صلي النّار ، وصلي بها ، إذا احترق فيها ، ولامس لهبها جسده محرقا .