هي الأولى ، ولدار الحساب والجزاء الّتي هي الأخرى ، وكان من التوهّمات التي قد تقع في النّفوس استبعاد وجود حياة أخرى ، كان من المناسب بيان أنّ الرّبّ الممتحن مالك الحياة الأولى ، هو وحده مالك الحياة الأخرى ، وتقضي حكمته بأن يحاسب عباده ويجازيهم في الأخرى ، كما ابتلاهم في الأولى ،
فقال اللّه عزّ وجل :
وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى
( 13 ) .
وجاءت هذه الجملة مؤكّدة بمؤكدات ثلاثة ، كالجملة السابقة .
أي : وإنّ الآخرة والأولى وكلّ ما فيهما ، وكلّ من فيهما ملك لنا ، وجاء التعبير باستعمال ضمير المتكلّم العظيم ، والمعنى فنحن الممتحنون في الأولى ، ونحن المحاسبون والمجازون في الأخرى ، ونحن القادرون على إيجاد الأخرى .
السؤال الثالث المطويّ :
إذا كانت الحياة الدنيا هي حياة الابتلاء ، وكانت الحياة الأخرى هي حياة الحساب وفصل القضاء والجزاء ، فكيف يكون عذاب الآخرة لمن كفر بربّه ، ولم يستجب لدعوة رسوله ؟
وقد جاء الجواب الرّبّاني على هذا السؤال المطويّ بقول اللّه عزّ وجلّ في السّورة :
[ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 14 إلى 16 ]
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 )
فأنذرتكم : الإنذار هو الإعلام بما هو مخوف منه مستقبلا .
تلظّى : أصلها : تتلظّى ، أي : تتلهّب . ولظى النّار هو لهبها .
لا يصلاها : أي : لا يحترق بلهبها ، يقال لغة : صلي النّار ، وصلي بها ، إذا احترق فيها ، ولامس لهبها جسده محرقا .