منهما ، ليمتحنهم في ظروف الحياة الدنيا ، ولا بدّ أن يكون لكلّ منهم سعي مختلف عن نظرائه ، وهذا السلوك المختلف هو أثر لحرّيّة الإرادة في كلّ منهم .
وبالتأمل يهتدي الفكر الملاحظ لصفات اللّه الجليلة ، ومنها حكمته ، وتنزّهه عن العبث في الخلق ، إلى أنّ الامتحان لا بدّ أن يستتبع الحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء ، بالفضل أو بالعدل ، وأنّه لا يمكن أن يسوّي الرّبّ العليم القدير الحكيم بين المسلمين والمجرمين ، وبين من اختار في امتحانه الأعمال الصالحة ، ومن اختار في امتحانه الأعمال السيئة .
ودلّ الواقع المشاهد لذوي الإرادات الحرّة الموضوعين موضع الامتحان في ظروف الحياة الدنيا ، أنّهم متفاوتون في اختياراتهم تفاوتا كبيرا ، فمنهم سعيه في الخير ، ومنهم سعيه في الشّرّ ، ومنهم سعيه مختلط ، وتختلف بينهم النّسب والمقادير اختلافا لا يستطيع حصره إلّا الخالق البارئ المحيط بكلّ شيء علما ، وهذا الاختلاف الكثير يتطلّب درجات ودركات من الجزاء ، فمنهم من يستحقّ بفضل اللّه أن يجازى بالفردوس الأعلى من جنّات النعيم ، وتتنازل المراتب والدّرجات ، حتّى أدنى الجنّة . ومنهم من يستحقّ بعدل اللّه أن يجازى بالدّرك الأسفل من النّار ، وتخفّ الدّركات شيئا فشيئا حتّى مستوى الضحضاح من دار العذاب يوم الدّين ، وأخفّ العذاب فيها . ومنهم فريق يقتضي العدل أن يكونوا على الأعراف ، إذ تساوت سيّئاتهم وحسناتهم ، فالنار والجنّة تتجاذبانه بقوّتين متماثلتين ، فيقف في مكان وسط بينهما ، إلّا أن تتداركهم رحمة اللّه ، فتدفع بهم ، فيغلب جاذب الجنّة جاذب النّار ، فيدخلهم اللّه في رحمته .
وهذا السّعي المختلف في الناس إنّما هو مظهر لإراداتهم الحرّة الّتي منحهم اللّه إيّاها ليمتحنهم ، ومن أجل هذا وضعهم في ظروف الامتحان
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 491
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٩١