القضيّة الثانية : الترهيب من البخل بإمساك المال عن مستحقّيه ، المقرون بمشاعر الاستغناء عن الرّبّ جلّ جلاله ، فهذه المشاعر الخسيسة يتولّد عنها الطغيان ، وعدم الخوف من عذاب اللّه ، والتكذيب بالملّة الحسنى الّتي يبلّغها الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عن الرّبّ جلّ جلاله .
والعقاب المنذر به هو التيسير للأمور العسرى ، ولا سيما يوم لا يغني عن المعذّب ماله الذي استغنى به ، فطغى ، فكفر .
وبالنظر إلى سنّة التدرّج الرّبّانيّة في إنزال شرائع الدّين ، نلاحظ أنّ العناية الرّبّانيّة في هذه المرحلة المبكّرة من تنزّلات القرآن ، قد وجّهت لقضايا الإيمان أوّلا ، وأتبعتها بالتوجيه للصلاة ، فبالتوجيه للعطاء المالي مساعدة للفقراء والمساكين وذوي الحاجات ، وهذا التوجيه للعطاء المالي في هذه المرحلة المبكّرة ، فيه دليل على أنّ سدّ حاجات المحتاجين في المجتمع تأتي في التعليمات الإسلامية عقب التوجيه للصلاة ، ولهذا اقترنت الزكاة بالصلاة في معظم النصوص القرآنيّة ، وهذا التوجيه في هذه المرحلة المبكّرة ، قد جاء تمهيدا لفريضة الزّكاة الّتي تأخر تحديدها ، والإلزام بالمقدار الواجب بذله فيها إلى المرحلة المدنيّة .
وبالنظر إلى السّور التي نزلت قبل نزول سورة « اللّيل » نلاحظ أنّه قد جاء تمهيد خفيف جدّا لقضيّة بذل المال في سورة ( العلق ) أوّل سورة أنزلت ، ببيان أنّ مشاعر الاستغناء من أسباب طغيان الإنسان ، إذ جاء فيها قول اللّه عزّ وجل :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
( 7 ) .
وبعدها جاء في سورة ( المدثر ) السّورة الثانية بحسب ترتيب النزول بيان أنّ من أسباب تعذيب المعذّبين في سقر أنّهم لم يكونوا يطعمون المساكين ، فقد جاء فيها قول اللّه عزّ وجلّ حكاية لسؤال يوجّه لهم وهم يعذّبون في النار ، وحكاية للجواب الذي يجيبون به :