الّذي يصلى النّار الكبرى : أي : الّذي يعذّب يوم الدّين بالحريق في النار الكبرى ، وهي نار جهنّم ، ووصفها اللّه بالكبرى لأنّها أكبر نار معدّة لعذاب العصاة المذنبين ، أمّا النيران الأخرى فهي دونها ، ومن هذه النيران نيران الدّنيا مهما كانت شديدة .
يقال لغة : صلي النّار وصلي بها ، إذا احترق فيها ، ولامس لهبها جسده محرقا .
ويقال : أصلاه يصليه نارا ، إذا أدخله فيها ليحترق .
إنّ هذا الأشقى الذي هو الأكثر شقاوة بسبب كفره العنادي ، هو الذي يتجنّب الاستجابة لتذكير المذكّرين ، لأنّه ليس مستعدّا نفسيّا لأن يخشى ولو مستقبلا ، مهما قدّمت له الإقناعات والمذكّرات ، ولهذا لم يكن فعل التجنّب منه يحتاج إلى حرف « السين » الدالّ على المستقبل ، نظرا إلى أنّه يتجنّب الذكرى عقب التذكير ، ويظلّ كلّ حياته متجنّبا .
ولهذا كان هذا الأشقى مستحقّا لأن يصلى النار الكبرى خالدا فيها ، وهذا الخلود الأبديّ فيها يكافئ جحوده الأبديّ ، لأنّ اللّه لو أحياه في الدار الدنيا حياة أبديّة لبقي كافرا كفرا أبديّا .
ثمّ لا يموت فيها ولا يحيى : أي : ثمّ مهما طال في النّار الكبرى بقاؤه وعذابه ، فإنّه لا يأتيه زمن تحصل له فيه راحة ما من العذاب الذي هو فيه ، فلا يأتيه الموت الذي يقطع عنه الإحساس بالعذاب ، ولا تأتيه حياة مريحة خالية من العذاب .
وجاءت عبارة :
وَلا يَحْيى
تنزيلا لحياة العذاب منزلة حالة وسطى بين الموت المريح والحياة السعيدة ، وهذه الحالة الوسطى هي حالة تعاسة وشقاء دائمين ، وهذه الحالة حريّة بأن لا تسمّى حياة ، لأنّ من شأن الحياة الّتي يحرص الأحياء عليها أن يكون فيها شيء ممّا يحبّون ويرغبون فيه ، أمّا