تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
يقول البلاغيون : إنّ استعمال كلمة « إن » الشرطيّة يفيد أنّ ما دخلت عليه مشكوك في وقوعه ، بخلاف كلمة « إذا » الشرطيّة فإنّها تستعمل حينما يكون فعل الشرط متيقّن الوقوع ، أو مظنونا وقوعه ظنّا راجحا . فعلى هذا نستطيع أن نفهم أنّ الأمر بالتذكير يتوجّه ولو كان احتمال نفع الذّكرى احتمالا ضعيفا . وعلى طريقة الاستدلال بالمفهوم المخالف أرى أنّ الداعي إلى اللّه إذا تيقّن بعد محاولات متعدّدات أنّ التذكير لإنسان بعينه ، أو لمجموعة محدّدة ، قد غدا نوعا من إضاعة الوقت فيما لا نفع فيه ، فمن الخير له أن يتحوّل إلى جهة أخرى يرجو فيها نفع تذكيره ، أو دعوته ، وفي شأن هؤلاء الميؤوس من استجابتهم إبّان التنزيل وفي أمثالهم قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( البقرة / 2 مصحف / 87 نزول ) :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 7 ) . إذ إنّ إصرارهم على الرفض والجحود قد كانا بعد أن استيقنت قلوبهم بالحقيقة ، فهم يجحدونها بدافع من الكبر ، أو الرّغبة بالفجور واتباع الهوى ، كما قال اللّه عزّ وجلّ بشأن فرعون وقومه في سورة ( النمل / 27 مصحف / 48 نزول ) :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
( 14 ) . وهذا المنهج في التذكير هو المنهج الذي اتّبعه الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر من بني إسرائيل إذ وجّهوا تذكيرهم لأهل القرية الّتي كانت حاضرة البحر ، إذ يعدون في السبت ، لقد وعظوهم وذكّروهم