أبان اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية من يرجى منهم التّذكّر النّافع من الناس ، الذين إذا تذكّروا دفعهم تذكّرهم للاستجابة لدعوة الحقّ .
إنّهم الذين لديهم استعداد لأن يخشوا اللّه إذا حصل عندهم العلم به وبصفاته ، ولهذا الاستعداد أمارات في الناس ، تلاحظ من تصرّفاتهم ، ومن تأثير بعض المرهبات الغيبيّة في نفوسهم ، وهي لا تخفى على الدّاعي الألمعيّ .
وجاءت الآية بصيغة :
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى
( 10 ) بإدخال السين الدالة على المستقبل لتدلّ على أنّ الذين لديهم استعداد لأن يخشوا ربّهم ، ويخافوا من إنذاراته بالعذاب المعجل أو المؤجل ، يحتاجون متابعة تربويّة بالتذكير ، وعلاجا يستمرّ إعطاؤه مدّة من الزمن حتّى يتحقّق نفع التذكير .
فنفع التذكير لا يتمّ بين عشيّة وضحاها ، على الرّغم من وجود الاستعداد لديهم . على أن الناس يتفاوتون في هذا ، والنسبة المستعدّة لأن تخشى وتنتفع بالتذكير من الناس نسبة كبيرة ، وليست بالنّسبة القليلة ، مع تفاوت نسبة الانتفاع لديهم ، وأدناهم من ينتفع بالاستجابة إلى الإيمان ، ولو كانت استقامته ضعيفة وقليلة ، لأنّ هواه أقوى من إرادته .
أمّا الّذين لا يوجد لديهم الاستعداد للخشية من اللّه فهم الأشقون ، أي : هم الأكثر شقاوة ، بسبب تعريض أنفسهم للخلود في عذاب النار يوم الدّين ، وهم أهل الكفر والجحود ، لا من فيهم شقاوة الفسوق والعصيان ، مع استعدادهم للإيمان .
* قول اللّه عزّ وجلّ :
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ( 11 ) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
( 13 ) .
ويتجنّبها : أي : ويبتعد عنها ، الضمير يعود على الذكرى .
الأشقى : أي : الأكثر شقاوة بسبب كفره ومعاندته للحقّ ، وشقاوته العظمى هي ما سيعاني منه من عذاب النار يوم الدين خالدا فيها مخلّدا .