أمّا ما دام نفع التّأثير مرجوّا ولو بنسبة ضئيلة فإنّ المطلوب متابعة تذكيره .
وجاء في النّصّ الاقتصار على أمر اللّه رسوله بالتذكير ، وهو إحضار المعلوم السابق في الذاكرة بقوله تعالى :
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
( 9 ) مع أنّ مرحلة التذكير مرحلة متأخّرة ، لأنّ التذكير لا بدّ أن يكون مسبوقا بالتبليغ والبيان والشرح واتخاذ مختلف وسائل الإقناع والتربية بالترغيب والترهيب وغيرهما . فذكر التذكير يدلّ باللّزوم الذهني على ما لا بدّ أن يكون قبله .
كمن أدخل ضيفا إلى داره ليسكنها عدّة أيّام ، وقال له : كلّ واشرب ونم واقض كلّ حوائجك ، لكنّه لا يستطيع أن يأكل ما يريد حتّى يعدّ طعامه بأن يطبخه من الأرزاق الموجودة فيه ، ففيه أرزاق كثيرة تحتاج إلى طبخ وإعداد حتّى تكون صالحة للطعام ، ولا يستطيع أن يشرب حتّى يستخرج الماء من البئر بالدلاء ، وكذلك سائر حاجاته .
فالأمر بالتذكير أمر بما ينبغي أن يكون قبله من تبليغ وبيان وشرح ، وإقناع بمختلف الوسائل الإقناعية ، ومعالجة بمختلف وسائل التربية .
التذكير : إعادة ما سبق الإعلام به ، لإخراجه من مراكز المعرفة الكامنة إلى ساحة الذّاكرة الحاضرة ، رجاء أن يكون هذا الحضور في ذاكرة المدعوّ دافعا له حتى يستجيب للدّعوة .
الذّكرى : اسم للتّذكير ، ويأتي بمعنى التّذكّر .
وفي قول اللّه عزّ وجلّ :
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
( 9 ) بيان لقاعدة من قواعد الدّعوة إلى اللّه ، أي : إنّ على الداعي إلى اللّه أن يتابع التذكير بما كان بلّغه وبيّنه وشرحه واتّخذ وسائل الإقناع به ، لدى من لم يستجيبوا لدعوته كلّما رأى إمكان النّفع بالذكرى ، ولو بالاحتمال الضعيف الوارد على سبيل التقدير المشكوك بجدوى الذكرى معه .