تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
فبقي تيسير الرسول المكلّف بإعداد نفسه وفكره وقلبه وجسده لتحمّل أعباء رسالته بيسر وصبر وقوّة عزيمة . مثال هذا : إذا كان الحمل يزن قنطارين وكانت استطاعة المركبة الحاملة أن تحمل نصف قنطار بيسر ، فأمامنا للتيسير وسيلتان : الوسيلة الأولى : أن نيسّر في الحمل فنجعله نصف قنطار . الوسيلة الثانية : أن نمدّ المركبة بطاقة أعلى وقدرات إضافية تجعل حمل القنطارين يسيرا سهلا عليها ، ولكن التيسير بهذه الوسيلة قد حصل في المركبة لا في الحمل . وهكذا كلّ صعوبات الأعمال إذا كان الإمداد للقيام بها موجّها لذات العامل ، فإنّه يكون هو الميسّر لها ، والقادر على القيام بها بسهولة ويسر ، وإذا كان التيسير في الصعوبات نفسها فإنّه يكون بتخفيفها ، وحذف ما يشقّ على العامل منها . وأمّا كلمة ( اليسرى ) فقد جاءت في الآية وصفا لموصوف محذوف ، معلوم من سباق الكلام وسياقه ، وتقديره : الملّة اليسرى ، أو الشريعة اليسرى . اليسرى : في وصف المؤنث مثل الأيسر في وصف المذكر كلاهما يدلّ على التفضيل ، أي : ذات اليسر الأكثر من كلّ ملّة ربّانيّة سابقة . فهذه الملّة التي جعلها اللّه خاتمة الديانات المنزلة تشتمل على الأحكام اليسرى على الناس ، التي لا حرج فيها ، ولا تكاليف عسيرة فيها إعنات وإصر كما حصل لأمم سابقة ، وفي وصف هذه الملّة باليسرى مع بدايات تنزيل القرآن بشارة للناس بأنّ رسالة هذا الرسول الخاتم للأنبياء والمرسلين ، رسالة تتضمّن أحكاما وتكاليف يسرى .