تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
ومن ملاحظة أسماء اللّه الحسنى الداخلة تحت مفهوم كون اللّه ربّ العالمين ، ندرك أنّ اللّه عزّ وجل قد اختار أن تكون أعمال الخلق التي يجريها في الكائنات جارية وفق نظام التربية ، لا وفق نظام الخلق دفعة واحدة ، لتظلّ الكائنات بحاجة إلى إمداد اللّه لها بالبقاء خلقا بعد خلق ، كما يستمدّ المصباح الكهربائي إضاءته من الطاقة الكهربائية ، ففي اللّحظة الّتي ينقطع المدد الكهربائي ينعدم النّور والضّوء من المصباح الكهربائي . وجاء وصف الرّبّ بصفة « الأعلى » للثناء على اللّه بأنّه هو الأعلى من كلّ ذي علوّ في الوجود ، ولإبعاد توهّم شمول كلمة « ربّ » لما تطلق عليه في اللّسان العربي هذه الكلمة : « كالملك والأمير والسّيّد المطاع . ونحوها » . فالرّبّ الأعلى هو اللّه وحده لا شريك له . وتسبيح اسم الرّبّ الأعلى يتضمّن متابعة حركة الفكر والقلب والنفس ، بانسياب رفيق هيّن ليّن ، في ذكر صفات اللّه وأسمائه الحسنى ، ويتضمّن متابعة إحضار تصوّرات أسماء اللّه الحسنى في الفكر ، ومتابعة الانشغال بالمشاعر القلبية والنفسيّة التي تستدعيها تصوّرات هذه الأسماء ، وبهذا يكون التسبيح حضورا مع اللّه من خلال التفكّر في صفاته ، والتأمّل في دلالات أسمائه الحسنى . وبعد الأمر بالتسبيح أرشد اللّه عزّ وجلّ إلى الدليل الكونيّ الدالّ على ربوبيّة الرّبّ الأعلى ، وتفرّده بالربوبيّة ، فأشار إلى عدّة قضايا من ظواهر الكون المشهود ، فقال تعالى في السورة :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ( 4 ) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
( 5 ) . وقرئ : قدر . والمعنى فيهما واحد . أربع قضايا أرشد إليها هذا النّصّ من آيات اللّه في كونه ، فهي من ظواهر الكون المشهود :