زيدت الباء الجارّة في : ( بمجنون ) لتأكيد النفي الذي دلّت عليه أداة النفي [ ما ] .
وقد سبق في سورة ( القلم ) أن شهد اللّه لرسوله ليسلّيه ويشدّ عزيمته بأنه غير مجنون ، خطابا له ، فقال له فيها :
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
( 2 ) .
أمّا هنا في سورة ( التكوير ) فقد وجّه اللّه عزّ وجلّ الخطاب للذّين كذّبوه ، فقال لهم :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
( 22 ) .
إنّ هذا القرآن العظيم الذي ينزّله اللّه عليه ، والذي يبلّغه عن ربّه دليل جليّ على أنّه في ذروات الكمال العقليّ ، وفي ذروات الكمال الفكريّ والنفسي ، وأنّى للمجنون أن يقترب من ذروة من ذروات هذه الكمالات .
يضاف إلى هذا أنّه صاحبكم الملازم لكم في صحبته ، فقد صاحبتموه وعاشرتموه ، وعرفتم أخلاقه ، وصدقه ، وأمانته ، ورجاحة عقله ، وأنّ من كان مثله فهو أبعد النّاس عن الجنون .
وبعد نفي الجنون عنه بدليل مصاحبتهم له أبان اللّه لهم أنّ صلته بجبريل أمين الوحي الربّانيّ لم تقتصر على وحي غيبيّ أو قلبيّ غير مشهود ببصر ولا سمع ، بل رأى محمّد جبريل رؤيا عين وهو بالأفق المبين ، فقال تعالى :
وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
( 23 ) .
اللأفق : خطّ دائريّ في الجوّ يرى فيه المشاهد السّماء كأنّها ملتقية بالأرض .
المبين : أي : الظاهر الواضح ، يقال لغة : بان الشيء بيانا فهو بائن ، وأبان الشيء إبانة فهو مبين ، إذا ظهر ووضح وكان جليّا .
فدلّت هذه الآية على أنّ الرسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد رأى أمين الوحي