فلا ينقص منها شيئا ، ولا يزيد فيها شيئا ، بل يبلّغها أو يؤدّيها كما أوحى اللّه إليه بدقّة تامّة . وفي هذا تعبير عن سلامة القرآن المبلّغ إلى رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من أيّ تغيير عمّا أنزل اللّه .
وقد أثبت اللّه عزّ وجلّ أنّ القرآن منزّل من عنده نطق به وتلفّظ بحروفه وكلماته رسول كريم أرسله ، وهو ذو قوّة عند ذي العرش مكين ، وهو مطاع هنالك بين الملائكة العالين ، وهو أمين ، وعلمنا أنّ هذا الرسول هو جبريل عليه السّلام ، لئلّا يتوهّم متوهّم أنّ القرآن قد أوحى اللّه به إلى رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم معاني ، وأنّ الرسول محمّدا عبّر عن هذه المعاني بألفاظ من عنده ، وهذا فرق عظيم يفرّق بين القرآن ، وبين المعاني الّتي أوحى اللّه بها إلى رسوله ، وعبّر عنها الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعبارات من عنده ، فهي شيء آخر غير القرآن ، وليس لها صفة إعجاز القرآن ، ولا الصفات الأخرى الخاصّة بالقرآن .
* * *
قول اللّه عزّ وجلّ :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ( 22 ) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
( 24 ) .
توجّه اللّه عزّ وجلّ بهذه الآيات لخطاب الّذين كذّبوا الرّسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم إبّان التنزيل ، والذين اتّهموه بالجنون ، لادّعائه أنّه رسول اللّه ، ويتلقّى عن ربّه الوحي ، وأنّ ما يتلوه عليهم هو كتاب منزّل من عند اللّه ، ويلقّنه إيّاه أمين الوحي جبريل عليه السّلام ، ولأنّه جاءهم برسالة تقضي على شركهم وأوثانهم ، فقال لهم :
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
( 22 ) .
أي : وما الرسول الذي أرسل إليكم فهو مصاحبكم وملازم لكم في دعوته إياكم إلى دين اللّه ، وفي تبليغكم رسالات اللّه للناس بمجنون ، كما يزعم من اتّهمه بالجنون منكم .