فقوله تعالى :
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
( 24 ) أو [ بظنين ] تقديره فيما أرى : وما هو مطّلعا على الغيب الذي يطلعه اللّه عليه ببخيل ولا متّهم ، وهذا على التضمين ، والتضمين كما يكون في الأفعال ، يكون فيما يعمل عملها ، أي ليس بضنين ولا بظنين مطّلعا على الغيب .
وفي هذا بيان لبراءة الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من أخلاق الناس الّتي فيها البخل والاتّهام ، فمن ظفر منهم بعلم من علوم غيبيّة عن الناس ، احتفظ به لنفسه ، وضنّ به عن الآخرين ، ليستثمره لدنياه ، وحين يجد وسيلة لاستثماره ، كالسّحرة الّذين يتّصلون بالجنّ ، ويأخذون عنهم علوما لا يعلمها الناس ، فإنّ الواحد منهم يضنّ بما تعلّمه ليستأثر به لنفسه ، وما يتلقّاه من أخبار عن الجنّ فإنّه يضيف إليه أكاذيب من عند نفسه ، حتّى لا تضيع عليه أيّ فرصة من فرص الاستثمار لنفسه ، وحتّى لا يقول في أمر يجهله : لا أعلمه .
أمّا رسول اللّه فما يعلمه من أمر الغيب لا يضنّ به ، وما يجهله يقول في شأنه : إنّني بشر لا أعلم إلّا ما يعلّمني اللّه .
* * * قول اللّه عزّ وجلّ :
[ سورة التكوير ( 81 ) : الآيات 25 إلى 29 ]
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 25 ) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 26 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 27 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 )
إنّه لمّا كان الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ، بأخبار يصدقون في بعضها ، ويكذبون في أكثرها ، ولمّا كان الواقع يقتضي التّفريق بين وحي اللّه وإيحاء الشياطين لأوليائهم ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
( 25 ) .