وقد تشكل على بعض الذين يتلون هذا النصّ عبارة :
جَعَلْنا
فيه ، حينما يضعون في تصوّرهم هذا الفهم الذي سبق بيانه .
وأقول :
إنّ عبارة :
جَعَلْنا
هنا ينبغي أن نفهمها على معنى الجعل التكويني القدريّ العامّ الّذي ربط اللّه به المسبّبات بأسبابها ، وهذا الجعل التكويني هو المهيمن على كلّ ما في الكون من قوانين وسنن ربّانيّة ، وهو يشمل ما فطر اللّه الناس عليه ، وجعله سنّة من سنن الاجتماع البشريّ ، والسّلوك الإنسانيّ الاختياريّ .
أي : فمن اختار شرعة غير شرعة اللّه ، بمقتضى ما وهبه اللّه من إرادة حرّة مختارة ، وسخّر له المسخّرات الّتي تطيعه بخلق اللّه ، فيحقّق بها ما اختار لنفسه ، فلا بدّ أن يتخذ في حياته منهاج سلوك يلائم ما اختار من شرعة ، ويمكّنه اللّه من سلوكه بما يسخّر له من مسخّرات . ومن اختار شرعة اللّه كذلك فلا بدّ أن يدفعه إيمانه إلى سلوك منهاج اللّه لعباده ، وبعد وجود الدافع :
إمّا أن يستجيب بإرادته مطيعا ، وإمّا أن لا يستجيب فيتبع هواه عاصيا .
والمعنى فاحكم بين الناس يا محمّد بما أنزل اللّه عليك ، ولا تتّبع أهواءهم معرضا أو مدبرا عمّا جاءك من الحقّ ، لك شرعتك ومنهاجك اللّذان أوحينا بهما إليك ، ولكلّ منهم . أيّ : من الناس غير المؤمنين شرعته ومنهاجه ، فسنّة اللّه في المجتمع البشريّ أنّ مناهج الناس في الحياة تتبع مشاربهم وشرائعهم « - أي : أيديولوجياتهم » .
* فالمؤمنون شرعتهم ابتغاء مرضاة اللّه ، ومنهاجهم أحكام دينه لعباده .
* والكافرون شرائعهم أهواؤهم وضلالات الشياطين ، ومناهجهم ما يرضي شهواتهم ، ويرسم لهم شياطينهم وواضعو مذاهبهم .