ومهيمنا عليه : جاء في تفسير المهيمن أنّه الأمين المؤتمن ، والشّاهد والحاكم .
فالقرآن بمقتضى هيمنته على الكتب الرّبّانيّة السابقة ، يشهد بصحّة نزول كتب من عند اللّه على رسله السّابقين ، وهو الأمين الذي حفظ ما نزل فيها بصيغته الثابتة قطعا الّتي لم يدخلها ولن يدخلها تحريف ولا تبديل ولا نسيان ، وهو الحاكم عليها الذي يرجع إليه فيما اشتبه على الناس من أحكامها ، ويرجع إليه في معرفة أحكام اللّه ، وفق آخر صيغة مكمّلة متمّمة صحيحة ، أكمل اللّه بها للنّاس دينهم ، وأتمّ بها عليهم نعمته .
*
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ :
تكليف من اللّه لرسوله ثم لكلّ حاكم من أمته أن يحكم بما أنزل اللّه بين الناس جميعا ، من آمن بالرّسول والقرآن منهم ، أو رضي بحكم الرسول أو بحكم الحاكم من أمته ممّن لم يدخل في الإسلام .
وما أنزل اللّه يشمل ما انفرد به القرآن تكميلا أو تعديلا ، وما اشتركت ببيانه الكتب الربّانيّة ممّا لم ينسخ ولم يعدّل فيه شيء .
ونهى اللّه رسوله ويلحق به كلّ حاكم من أمّته عن اتّباع أهواء الناس ، ومنهم أهل الكتاب الأوّل الّذين حرّفوا وبدلوا ما أنزل اللّه على الرسل السابقين ، فقال تعالى له :
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ :
أي : ولا تتبع أهواءهم معرضا أو منصرفا عمّا جاءك من الحقّ ، وقد ضمّن فعل : ( تتبع ) المنهي عنه معنى فعل : « تعرض أو تدبر أو تتوّلى أو تنصرف » فعدّي تعديته ، فجاءت عبارة :
عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
ملائمة لهذا التضمين .
*
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً :