ولهذا جاء في دعاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على ما رواه مسلم وغيره عن عائشة رضي اللّه عنها :
« اللّهمّ إنّي أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت ، كما أثنيت على نفسك » .
فالحمد كلّه هو ملك اللّه ، وهو حقّه ، لأنّه هو وحده الذي له كلّ صفات الكمال ، وهو وحده المنزّه عن كلّ صفات النقصان ، وكلّ ما سوى اللّه عزّ وجلّ ليس له من صفات كمال يثنى عليه بها ، إلّا ما وهبه اللّه تعالى ، بالخلق ، أو بالإمداد ، أو بالمعونة ، أو بالتوفيق ، وبما أنّه هو المانح لكلّ ما يستحقّ حمدا ما ، فكلّ المحامد ترجع إليه ، لذا فالحمد كلّه له عزّ وجلّ دون استثناء .
وقد يطلق الحمد على الشكر الذي هو المكافأة على الجميل بالجميل ، لأنّ من يثني على من تفضّل عليه بمنّة ما فإنّه يحاول على قدره أن يشكره على منّته بتقديم الثناء ، وإن كان الأصل في الشكر المكافأة على المنّة بنظيرها أو بما يعادلها ، فالشكر على العمل يكون بالعمل أو بما يعادله ، والشكر على المال يكون بالمال أو بما يعادله ، وهكذا . وشكر اللّه على نعمه يكون باستخدام ما وهبنا في مراضيه وفي طاعته ، وقد يلحق بذلك الثناء بالجميل ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ غنيّ بذاته وبصفاته عن كلّ شيء ، وشكر عباده له يعود نفعه إليهم ، مع ما يصيب غير الشاكر من عباد اللّه من نفع ، إذا كان شكر اللّه موجّها بتوجيه اللّه لهم ، كالصّدقة على الفقراء والمساكين ، وكمعاونة ذوي الحاجات ، وقد جاء في كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن ابن عمر :
« أحبّ النّاس إلى اللّه أنفعهم ، وأحبّ الأعمال إلى اللّه سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه دينا ، أو تطرد عنه جوعا ،
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 289
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٨٩