وإسقاط هذا الادّعاء يكون ببيان أنّ هذه الأساطير الّتي يتصوّرونها قد صارت بالنسبة إلى جميع الناس من أمور الغيب ، التي لا يعلمها إلّا من يعلم الغيب ، فكيف يقيم المكذّبون دعوى احتجاجيّة مستندين فيها إلى غيب لا يعلمون منه شيئا ، وتعبيرا عن المطالبة بدليل الادّعاء الذي لا يملكونه بالنسبة إلى هذا الاحتمال قال اللّه عزّ وجلّ :
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
( 47 ) ؟ ! !
هذا الاستفهام هو كالاستفهامات التي سبقته في المناظرة ، استفهام إنكاريّ ، يفيد أنّهم لا يملكون علم الغيب ، فهم لا يكتبون منه شيئا ، وبذلك يسقط هذا الاحتمال الأخير أيضا .
والمعنى : هل عندهم علم غيب ما مضى من الأمم السالفة ، وعلم بأساطيرهم ومكتوباتهم ؟ ! !
لكنّ واقع حالهم على خلاف هذا تماما ، إذ ليس عندهم علم غيب ما مضى من الأمم السالفة وأساطيرهم ومكتوباتهم ، كقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، ولا هم يكتبون حتّى يكون لديهم تراث علميّ مدوّن في الكتب ، والرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم واحد منهم في الأمّيّة .
فسقط ادّعاؤهم أنّ آيات القرآن الّتي يتلوها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مأخوذة من أساطير الأوّلين ، بل هو نبيّ ورسول اصطفاه اللّه ، وهو الذي ينزّل عليه آيات القرآن المعجز .
وهكذا تمّت المحاصرة الفكريّة ، في هذه المناظرة القرآنية للمكذّبين ، من كلّ الجوانب التي يمكن أن يقدّموا منها تعلّات ومعاذير ، تستر جحودهم للحقّ الذي جاء به رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم .
وانتهى الدرس الثالث من دروس السورة