وقد دلّنا هذا على أنّ من العقبات الصّادّات عن الاستجابة لدعوة الداعي إلى اللّه اتّهامه بالمصلحة الشخصيّة ، ولهذا علّم اللّه رسله جميعا أن يقول كلّ واحد منهم لقومه : « وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلّا على ربّ العالمين » .
الاحتمال الخامس : دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ :
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
( 47 ) .
لم أجد في أقوال المفسرين ما يكشف احتمالا يمكن أن يكون تعلّة يتعلّل به المكذبون ، لإسقاطه بنفي أن يكون عندهم علم الغيب فهم يكتبون منه ، ويستندون إليه في تكذيبهم بالقرآن ، الذي جاء بشأنه آنفا قول اللّه تعالى :
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ . . . .
وبالبحث والتأمّل ظهر لي أنّ المكذبين بأنّ القرآن تنزيل من ربّ العالمين ، وقال قائلهم الحلّاف المهين بشأنه :
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
كما جاء في الآية ( 15 ) من السورة .
وادّعاء المكذّبين بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم ينقل القرآن من أساطير الأولين ، يجعلهم مطالبين بتقديم الدّليل على هذا الادّعاء .
وسبيل ذلك أن يأتوا بما عندهم من مكتوبات الأوّلين إن كان عندهم شيء من ذلك ، مع إجراء المقارنة بينها وبين الآيات المنزّلة من القرآن .
لكنّ آيات القرآن المجيد لا شبه بينها وبين كتب أهل الكتاب ، وباكتشاف عدم التّشابه يسقط ادّعاؤهم بأدنى مقارنة ، فهم لا يلجؤون إلى مثل هذا الادّعاء ، لأنّ الأدلّة المادّيّة ذات المتناول القريب ستسقطه بأدنى مقارنة .
بقي أن يقولوا : إنّ آيات القرآن الّتي يتلوها محمّد منقولة من أساطير الأوّلين الخفيّة ، الّتي ليست من كتب أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ويلحق بهم من لهم شبهة كتاب كالمجوس والبوذيين .