تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
لدى التأمّل ينكشف للباحث أنّ الحكمة من تنزيله متأخّرا في العهد المدنيّ ، ووضعه في سورة ( القلم ) الّتي هي من أوائل التنزيل المكي ، إرادة بيان منهاج الدّعوة في أوائل مراحلها ، وواجبات الداعي إلى اللّه تجاه ما يلاقيه من الذين يرفضون دعوته ولا يستجيبون لها . فالنصّ موجّه في الخطاب الظاهر للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي كان متحقّقا بمضمونه قبل أن يخاطب به ، لكنّه موجّه بصفة عامّة لكلّ الدّعاة إلى اللّه من بعد الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليلتزموا به . فواجبات الداعي إلى اللّه الّتي اشتملت عليها سورة ( القلم ) والّتي يجب على الدّعاة إلى اللّه الالتزام بها بعد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تستدعي أن تشتمل على الأمر بالصّبر لحكم اللّه ، لكنّ خلق الرسول العظيم لم يكن بحاجة لتوجيه مثل هذا الأمر له ، أمّا من سيأتي بعده من الدّعاة فإنّهم لا يملكون في فطرتهم خلقا عظيما مثل خلقه ، فهم بحاجة إلى الأمر بالصّبر لحكم اللّه منذ المرحلة الأولى من مراحل دعوتهم إلى اللّه . فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذا النجم في العهد المدنيّ من سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، بعد أن حقّق الرسول مضمونه وانتهت المرحلة ، لنعلم أنّ هذا النّصّ موجّه لكلّ الدّعاة بعد الرسول ، فمن واجباتهم الصّبر لحكم اللّه منذ أوّل مراحل دعوتهم إلى اللّه ، وإلى صراطه المستقيم . وقد وضع في المكان المناسب له تماما ، مع النصوص المنزّلة في أوائل مراحل الدعوة ، فتحقّق بهذا الإجراء الغرضان ، وعلم أنّ خطاب الرسول فيما لم يكن من خصوصيّاته هو خطاب لأمّته . هذا الأسلوب هو من روائع أساليب الأداء البياني ، وخلاصته تأخير خطاب الرّسول بالنصّ الذي يتضمّن تكليفا ، إلى ما بعد تحقيق الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم مضمونه دون تكليف ، للإشعار ضمنا بأنّ المقصود خطاب الدّعاة إلى اللّه من أمّته .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 266 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني