*
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ . . . .
قد نفهم من هذه الجملة الأمر بالصبر على كلّ المكاره الّتي تمسّ الداعي إلى اللّه وهو في طريق دعوته ، كالتكذيب بما يدعو الناس إليه ، والإعراض أو الإدبار والتولّي عنه ، وكاتّهامه بما يسوؤه حتّى بالجنون ، وكإيذائه وشتيمته والإضرار به ، وسجنه وضربه وغير ذلك .
وحكم اللّه في تمكين غير المستجيبين لمواجهة الدّاعي إلى سبيل ربّه يخضع لقوانين القضاء والقدر ، وسنّة اللّه العامّة في خلقه .
لكنّ تعدية فعل الصّبر قد جاءت في معظم الآيات القرآنية بحرف « على » . مثل :
فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ *
-
وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ
وهذا هو الأصل في الاستعمال .
فما الحكمة هنا من تعدية فعل الصّبر بحرف « اللّام » ؟
بالتأمّل يتبيّن لنا أنّ فعل الصّبر هنا تضمّن معنى التسليم لحكم اللّه ، وهذا التسليم يلائمه حرف اللّام ، والتقدير : فاصبر مستسلما لحكم ربك .
وهذا التضمين من أساليب القرآن البيانيّة البديعة .
وحين نبحث في أحكام اللّه الدّعويّة التكليفية الموجهة للداعي إلى سبيل ربّه ، نجد فيها تكليفه أن يستمرّ في تذكيره ولا يتركه يائسا ، ما دام احتمال نفع تذكيره موجودا ، ولو بنسبة ضئيلة قليلة ، فترك التذكير لا يكون إلّا بعد التحقّق من كون المدعوّ حالة ميئوسا منها ، دلّ على هذا الحكم قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأعلى / 87 مصحف / 8 نزول ) :
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ( 9 ) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى
( 10 ) .
أي : فعلى الداعي إلى اللّه أن يتابع تذكيره بما سبق أن بلّغه ولو كان احتمال نفع تذكيره احتمالا ضعيفا ، إذ جاء في الآية حرف الشرط « إن » الذي يستعمل غالبا في الأمر المشكوك فيه .