إنّ الصّبر على المكذّبين مع استمرار الدّأب على الدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالّتي هي أحسن له أثران عظيمان :
الأثر الأول : الاستدراج إلى مواقع الاستجابة للدّعوة ، وقبول منطقها ، والاهتداء بهداها .
فمن شأن الصبر مع الدّأب على العمل إقناع الفريق الرافض المكذّب ، بأنّ الدّاعي إلى اللّه صادق في دعوته حقّا ، وأنّه لا هدف له إلّا خير من يدعوهم ، وليس له من وراء دعوته مصلحة شخصيّة دنيويّة ، وهذا أمر يهدم لدى الرافض المكذّب عنف النّقمة والعداء ، فمن كانت لديه من المكذّبين بزور خير نبتت ونمت ، فاتّجهت نباتاتها نحو الضّوء ، ثمّ امتدّت منجذبة إليه .
فإذا بالّذي كان سابقا مكذّبا معاديا ، يغدو منجذبا في اتّجاه النور ، ولا يزال النور يستدرجه شيئا فشيئا حتّى يكون من المستجيبين المتابعين .
وهذا ما حصل فعلا لكثير من الذين كانوا مكذّبين للرّسول ومكذبين برسالته ، وبآيات التنزيل الرّباني . لقد استدرجهم الصبر والدّأب ، والمثابرة على الدعوة إلى اللّه ، والبيان الملائم لأحوال المدعوّين ، واتّخاذ وسائل الإقناع والترغيب والترهيب ، إلى مشرق نور الحق ، وصدق دعاته ، فاستجابوا واهتدوا .
فصار كثير من قادة جيش الكفر وجنوده بالأمس ، قادة وجنودا في جيش الإسلام بعد ذلك .
الأثر الثاني : اغتنام الوقت وكسبه لبناء الأمّة الرّبّانيّة ، وتدعيم أركانها ، وشدّ أواصرها ، وإعداد جيشها ، لتكون قادرة على مواجهة أعدائها إذا حزب الأمر ، ودعت الضّرورة للمواجهة المادّيّة المسلّحة .
فإذا تمّ الإعداد المرشّح للانتصار والظّفر ، ظهر أنّ كيد الإمهال كيد متين وإن طال حبله ، فالظّافر هو الظافر أخيرا .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 260
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٦٠