في هاتين الآيتين ( 44 - 45 ) التفت البيان القرآني إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويلحق به الدّعاة إلى اللّه من أمّته ، إذا كانوا في مثل الموقف الذي نزلت فيه سورة ( القلم ) فبيّن اللّه عزّ وجلّ فيه الموقف الذي يجب أن يتّخذه تجاه المكذّبين بآيات التنزيل ، وهو موقف تركهم للّه بارئهم ، وعدم مصارعتهم ، مع الاستمرار على العمل في طريق الدعوة إلى اللّه وإلى صراطه المستقيم .
إنّ الموقف هو موقف مراحل الدعوة الأولى ، التي يجب فيها الصّبر على المكذّبين للرسول والمكذبين بالرّسالة والقرآن ويوم الدين ، مع الدّأب في مجال الدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويجب فيها أيضا عدم إثارة صراعات تتجاوز حدود التّبليغ ، والبيان ، والجدال بالّتي هي أحسن ، وتجميع المستجيبين ، وتربيتهم على أخلاق الإسلام وشرائعه ، وتكوين الأمّة الإسلاميّة شيئا فشيئا ، كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه .
إنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا هو المنهج الأمثل ، إذ هو المنهج الرّبّانيّ ، وهو المنهج الذي أثبتت التطبيقات النبويّة له أنّ ثمرته أعظم الثمرات وأكثرها وأثبتها وأدومها .
ثم بمقدار ما التزم الدّعاة إلى اللّه والتنظيمات الإسلاميّة بهذا المنهج الرّبّانيّ كانت تأتي ثمرات أعمالهم ، فتزداد هذه الثمرات بازدياد هذا الالتزام ، وتتناقص بتناقص هذا الالتزام .
أمّا الذين زيّنت لهم آراؤهم أن يخرجوا عن هذا المنهج ، أو أن يختاروا لأنفسهم مناهج أخرى ، كإثارة الصراعات المادّيّة ، قبل استكمال مرحلة بناء الأمّة الإسلامية القادرة على المواجهات المادّية المهيّأة بأسبابها المادّيّة والمعنويّة للظفر ، ضمن سنن اللّه في كونه ، فقد باءوا بالفشل والخيبة ، وأجهضوا ما بني منها ، وهي في المرحلة الجنينيّة ، أو قتلوها ، أو عرّضوها للاستئسار وهي في مرحلة الطفولة ، أو المراهقة ، أو اليفاع ، ولم تصل بعد إلى مرحلة الرّجولة القادرة على الدّفاع أو الغلب .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 259
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٥٩