يواجههم اللّه بالخطاب ، على خلاف توجيه الخطاب لهم في العناصر السابقة من المناظرة ، فقال اللّه عزّ وجلّ لرسوله فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته :
*
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
( 45 ) .
سبق نظير هذا التعبير التهديديّ في سورتي المزّمّل والمدثر ، فهو يتضمّن تهديدا ووعيدا شديدا لمن يراد تهديده ووعيده ، وهذا التهديد موجّه من الرّبّ الخالق لكل من يكذّب بهذا الحديث وهو القرآن الذي كان ينزل نجوما على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
وفيه مع التهديد وصيّة للرّسول فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته ، أن يترك مقارعة المكذبين ، ويبتعد عن مصارعتهم ، ما داموا في المراحل الأولى في مسيرة الدعوة إلى دين اللّه ، فالحكمة الدّعويّة تقتضي متابعة المسيرة دون الاشتغال بمصارعة المكذبين ، لئلا ينصرف الدّاعي عن القيام بواجبات رسالته الدعويّة ، إلى أمور معوقة .
فَذَرْنِي :
أي : دعني واتركني .
وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ :
أي : دعني مع من يكذّبك بهذا الحديث ، وهو القرآن . الحديث : الكلام الذي يقال ويتحدّث به ، والقرآن : كلام منزّل من ربّ العالمين ، يحدّث الرّسول به ، فيبلّغه عن ربّه .
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ .
الاستدراج : تقديم التسهيلات الخفيّات الّتي تجعل السّالك في طريق ما يدرج متابعا سيره الذي يحسب نفسه فيه صاعدا ، بينما قد يكون هابطا متسفّلا ، وقد تنتهي به مسيرته إلى هلاكه .
يقال لغة : درج يدرج درجا ، ودروجا ، أي : مشى مشية الصّاعد في الدّرج .