تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
ومعلوم من سنّة اللّه عزّ وجلّ أنّ من سلك طريق الشرّ فلا بدّ أن توصله مسيرته إلى عاقبة وخيمة تجعله يندم على ما اختار لنفسه في حياته من شرّ . والاستدراج الرّبّانيّ لعباده يكون من حيث لا يعلمون ، أي : من المكان الذي لا يعلمونه ، لاستتاره عن إدراكات حواسهم . حيث : ظرف مكان مبنيّ على الضمّ ، وهو هنا في محلّ جرّ ب « من » .
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
( 45 ) . الإملاء : الإمهال والتأخير وإطالة العمر ، يقال لغة : أملى اللّه له ، أي : أمهله وطوّل له . ويقال : أملى للبعير في القيد ، أي : أرخى له ، ووسّع له فيه ، وطوّل له مقدار الحبل ليزداد في حرّيّة الحركة ، وهذا هو الأصل في المادّة . والملا : ما اتّسع من الأرض ، فبإرخاء الحبل للدّابة تزداد حرّيتها في الملا . الكيد : تدبير أمر فيه مكروه لمن دبّر ضدّه ، وهذا التدبير يكون بالحق أو بالباطل ، وبالخير أو بالشرّ ، ولكنّ كيد اللّه لا يكون إلّا بالحقّ أو بالخير ، ومنه التدبير لإهلاك المجرمين ومعاقبتهم ، ويأتي الكيد بمعنى الحرب . متين : أي : قويّ شديد صلب لا يخترق . والمعنى : أطوّل لهم وأمهلهم لأترك لهم فرصة التوبة وإصلاح ما أفسدوا ، حتّى إذا انتهت مدّة إمهالهم الّتي تقتضيها الحكمة ، أنزلت بهم عقابي الشديد ، إذا استمروا على ما كانوا عليه من شرّ ، ولم يراجعوا أنفسهم ، وعندئذ يرون أنّ كيدي قويّ شديد غالب لا يستطيعون أن يحموا أنفسهم منه ، بأيّة وسيلة من الوسائل .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 258 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني