لهم أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أباح لهم ذلك ، فأثبت فيه بنصوص صريحة واضحة أنّ لهم في الحياة كلّ ما يتخيّرون من عمل .
لكنّ أيّ كتاب ربّانيّ صحيح غير محرّف لا يوجد فيه نصّ مثل هذا النصّ ، فسقط هذا الاحتمال الذي يمكن أن يتعلّل به المكذّبون .
هذا الجانب من جوانب المحاصرة في هذه المناظرة ، قد دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ لهم ، في خطاب واجههم به :
أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ( 37 ) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ
( 38 ) .
( أم ) هذه « أم » المتصلة ، وهي الّتي لا يكون الكلام بها إلّا استفهاما ، وهي حرف عطف ، والاستفهام المقدّر مع « أم » هنا استفهام إنكاريّ .
والمعنى : أفنجعل المسلمين كالمجرمين ، وهذا مرفوض عقلا ، أم لكم كتاب ربّانيّ فيه تدرسون إنّ لكم لما تخيّرون من عمل ، دون أن تكونوا عرضة للمؤاخذة والعقاب على ما تسيئون وتظلمون وتفسدون ، وهذا غير موجود .
كسرت « إنّ » مع أنّها وقعت بعد عامل لأنّه علّق بلام الابتداء الّتي يسمّونها المزحلقة .
تخيّرون : أصلها تتخيّرون ، حذفت إحدى التاءين تخفيفا .
الاحتمال الثاني : أن يدّعوا أنّ اللّه عزّ وجلّ أعطاهم عهدا على نفسه موثّقا بأيمان بالغة غاية التّأكيد ، ومستمرّة الأثر إلى يوم القيامة ، إذ يحاسب اللّه عباده ويفصل قضاءه بينهم ، مقرّرا ما يجازيهم به ، وعندئذ تنتهي المسؤوليّة عن الأعمال في الحياة الدنيا .
وهذه الأيمان البالغة قد أعطاكم اللّه بها أن تحكموا لأنفسكم بما تشاءون من حكم ، فأنتم تستطيعون بمقتضى هذا التفويض الرّبّانيّ أن