كيف تحكمون ؟ : أي : حالكم ينبغي أن يتعجّب منه المتعجبون ويستنكره المستنكرون من أولي الألباب ، فعلى أيّة كيفيّة تقبلها العقول تحكمون بهذه التسوية ، إذ تنكرون الدّين والجزاء في اليوم الآخر والحياة الأخرى ، بعد انتهاء ظروف هذه الحياة الدنيا .
كلّ من هذين الاستفهامين استفهام تعجيبيّ إنكاريّ واجه اللّه عزّ وجلّ به المكذّبين .
وهذا الأسلوب من الاستدلال هو من قبيل الاستدلال بنفي أحد النقيضين لإثبات النقيض الآخر .
والمعنى : يا أيّها المكذّبون بيوم الدين ، إذا كنتم تؤمنون حقّا بربّ خالق عليم حكيم ، فكيف تقبلون في عقولكم أن يكون هذا الخالق الحكيم متّصفا بالعبث ومنافاة العدل ؟
إنّه إذا لم يكن في خطّة الخلق يوم آخر يحاسب النّاس فيه ، ويجازون على أعمالهم في هذه الحياة الدّنيا ، مع وجود مسلمين ومجرمين فيها يتصرّفون بإراداتهم الحرّة الّتي وهبهم اللّه إيّاها ، فيظلم منهم من يظلم ، ويعتدي من يعتدي ، ويكفر من يكفر ، ويسلم من يسلم ، ويحسن من يحسن ، ويعصي من يعصي ، ويطيع من يطيع ، ويكون فيهم مظلومون وظالمون ، ومصلحون ومفسدون ، فإنّ خلقا هذه صفته تعوزه الحكمة ، ويلزم منه أن يكون خلقا عبثا ، أو عملا عشوائيّا ، أو عمل ظالم لا يعبأ بآلام من يخلقهم ، فيسلّط بعضهم على بعض دون أن يتابع مجرميهم بحساب ولا عقاب عادل ، ودون أن يتابع مسلميهم وصالحيهم بتكريم وتفضيل وثواب حسن .
تعالى الرّبّ الخالق العليم الحكيم العدل البرّ الرحيم عن ذلك علوّا كبيرا .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 249
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٤٩