إذن : فلا بدّ أن يكون في خطّة خلقه يوم آخر ، غير يوم هذه الحياة الدنيا ، يجري اللّه فيه فضله فيمنحه محسنيهم ومسلميهم ، ويجري فيه عدله على مسيئيهم ومجرميهم .
هذا هو مفتاح الدليل العقليّ الّذي دلّ على يوم الدين ، بعد الإيمان بربّ العالمين ، والإيمان بصفاته وأسمائه الحسنى .
وهو ما تضمّنه قول اللّه عزّ وجلّ في أوائل ما نزل من قرآن :
*
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
( 36 ) .
فاستثار اللّه عزّ وجلّ العقول ، ونبّه المؤمنين بربوبيّته على الدليل العقليّ الذي يهديهم إلى الإيمان بيوم الدين .
وأتبع اللّه هذا الدليل العقليّ المقنع بمناظرة تشتمل على حصار فكريّ ، يسقط كلّ احتمال يمكن أن يكون شبهة للمكذبين بيوم الدّين ، أو ذريعة تجعلهم لا يخافون الآخرة وعقاب اللّه فيها على كفرهم ، وتكذيب رسول ربّهم .
الاحتمال الأول : أن يتوهّموا أنّ اللّه عزّ وجلّ خلقهم في هذه الحياة ، وأباح لهم أن يفعلوا فيها كلّ ما يتخيّرون لأنفسهم من خير وشرّ ، وأعطاهم القوى ، وسلّطهم على ذواتهم يفعلون بها ما يريدون ، وعلى ما حولهم ومن حولهم من أشياء وأحياء ، فللقويّ منهم أن يظلم الضعيف ويقهره ، ما استطاع ذلك ، أو ما استطاع إليه سبيلا أو سببا .
جاهلين أنّ تمكينهم إنّما هو لامتحان إراداتهم في ظروف هذه الحياة الدّنيا .
لكنّ مثل هذه الإباحة على الرّغم من منافاتها لمقتضيات الحقّ والعدل ، لا يمكن أن تعلم إلّا عن طريق كتاب ربّانيّ ، وهذا الكتاب قد بيّن